دفاتر التحملات في السمعي البصري المغربي: بين الالتزام القانوني و الرؤية الإبداعية

بقلم: أحمد بوعروة (إعلامي وسيناريست) الاثنين 16 ديسمبر 2024
e402a245-1b95-46f2-88d2-f4d6e5dbf80c
e402a245-1b95-46f2-88d2-f4d6e5dbf80c

دفاتر التحملات، بوصفها الوثيقة التي تحدد مسؤوليات والتزامات المؤسسات الإعلامية في المغرب، تثير تساؤلات عميقة حول طبيعتها وأهدافها: هل هي مجرد التزامات كمية وكيفية، أم ينبغي أن تكون انعكاسا لرؤية إبداعية طموحة تتماشى مع التحولات السياسية والمجتمعية التي يشهدها المغرب؟ وهل يمكن للتلفزيون أن ينهض بدور أكثر حيوية يعكس نبض المجتمع ويواكب تحولات كبرى مثل تنظيم المغرب لمونديال 2030؟

 

دفاتر التحملات: بين الكم والجودة

 

من الناحية الشكلية، تحدد دفاتر التحملات عدد البرامج، مدتها، وتصنيفاتها النوعية، لكنها غالبا ما تتوقف عند هذه الحدود الكمية دون الغوص في تفاصيل الجودة والابتكار. على سبيل المثال، تفرض نسب محددة من البرامج الثقافية أو الترفيهية أو الإخبارية، لكن هل تضمن هذه النسب تقديم محتوى يتفاعل مع الجمهور بعمق؟ الواقع يقول عكس ذلك، إذ نرى العديد من البرامج تنتج كواجب شكلي دون قيمة مضافة، ما يؤدي إلى الملل والنمطية.

 

دفاتر التحملات: ترجمة لسياسة حكومية أم نبض مجتمعي؟

 

دفاتر التحملات تصاغ غالبا بناء على توجهات سياسية حكومية، ما يجعلها أحيانا جامدة وغير مواكبة للتحولات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها المغرب.

على سبيل المثال:

          •        مع ارتفاع نسبة الشباب ضمن التركيبة السكانية، يلاحظ غياب برامج حقيقية تخاطب هذه الفئة بلغة معاصرة وتتناول قضاياهم، كالهجرة، ريادة الأعمال، أو تحديات التعليم الرقمي.

          •        كما أن المجتمع المغربي يشهد صعودا كبيرا في استهلاك المنصات الرقمية، لكن دفاتر التحملات نادرا ما تلزم القنوات بإنتاج محتوى رقمي مبتكر ينافس الإنتاجات العالمية.

 

مونديال 2030 والأوراش الكبرى: أين الإعلام؟

 

مع النجاح الكبير الذي حققه المغرب في نيل شرف تنظيم مونديال 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، تبدو الحاجة ملحة لإعلام يعكس هذا الإنجاز الوطني ويعززه على المستوى الداخلي والدولي.

          •        أين الإعلام الرياضي الإبداعي؟ بدل الاكتفاء بنقل المباريات والتقارير الجافة، يمكن أن تنتج برامج وثائقية تبرز التاريخ الرياضي للمغرب، أو مسلسلات درامية تستلهم قصص الأبطال الرياضيين المغاربة.

          •        مواكبة الأوراش التنموية الكبرى مثل مشاريع البنية التحتية أو السياسات الملكية الرائدة تتطلب إعلاما يجعل المواطن شريكا في الإنجاز، من خلال برامج تشرح هذه المشاريع بلغة بسيطة وجذابة.

 

الهوية الثقافية المغربية: مهمة مفقودة

 

في ظل التحولات العالمية، أصبح الحفاظ على الهوية الثقافية تحديا رئيسيا. ومع ذلك، نجد أن دفاتر التحملات غالبا ما تغفل عن إلزام القنوات بإنتاج أعمال درامية وسينمائية تبرز التنوع الثقافي المغربي.

          •        على سبيل المثال، قنواتنا تفتقر إلى مسلسلات تعكس غنى الثقافة الأمازيغية أو الحسانية، وتكتفي بتكرار نفس الأنماط الدرامية المستوردة.

 

هل التلفزيون مرآة للمجتمع؟

 

التلفزيون ليس فقط وسيلة لنقل الأحداث، بل هو أداة لتشكيل الوعي المجتمعي. دفاتر التحملات تلزم القنوات بتخصيص حيز زمني للأعمال الثقافية والفنية، لكن ماذا عن المحتوى الذي يتناول قضايا حيوية؟

          •        في ظل التحولات الاجتماعية، كان يمكن للتلفزيون أن يبرز قضايا مثل التغيرات في العلاقات الأسرية، أو صعود المرأة في مجالات غير تقليدية كالرياضة والسياسة.

 

التجارب الدولية: كيف نتعلم؟

 

لإعادة النظر في دفاتر التحملات، يمكن للمغرب أن يستلهم من التجارب الدولية الناجحة. على سبيل المثال:

          •        التجربة البريطانية: هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) تلتزم بقوانين صارمة ولكنها تعطي الأولوية للإبداع، مما يجعلها تنتج محتوى ينافس عالميا.

          •        التجربة الكورية الجنوبية: ألهمت الدراما الكورية العالم لأنها ركزت على الهوية الوطنية، رغم أن إنتاجها محكوم بضوابط قانونية.

 

ما المطلوب لتطوير دفاتر التحملات؟

          1.       توازن بين الالتزام والإبداع: يجب أن تتحول دفاتر التحملات إلى وثيقة تحفز الإنتاج الإبداعي بدل أن تقيده.

          2.       إشراك الفاعلين: ينبغي أن يستشار الكتاب والمخرجون والمنتجون في صياغة الدفاتر لضمان أنها تخدم تطلعات المجتمع والمبدعين معا.

          3.       التركيز على الجمهور: الجمهور المغربي تغير كثيرا، ويحتاج إلى محتوى يناسب وعيه واهتماماته المتنوعة، من البرامج الرياضية إلى الوثائقيات التاريخية.

 

الخلاصة

 

دفاتر التحملات ليست مجرد نصوص قانونية تنظم قطاع السمعي البصري، بل هي وثيقة تحمل في طياتها رؤية لمستقبل الإعلام. إن التحولات التي يشهدها المغرب اليوم، من إنجازات رياضية وتنموية كبرى، تحتاج إلى إعلام يواكب هذه الدينامية ويعكس صورة بلد متجدد. لذلك، يجب أن تتم مراجعة دفاتر التحملات بعمق، لتصبح محفزا للإبداع ومصدر قوة إعلامية يبهر الداخل والخارج.