AHDATH.INFO – خاص - بقلم شادي عبد الحميد الحجوجي
قدم المخرج محمد خان، الذي ذهب للندن لدراسة الهندسة، فدرس السينما بتأثير من صديق سويسري، طيلة مشواره أدوارا جميلة لبطلاته، لقد كانت له معهن قصص وروايات و أحاديث و حكايات. كان يحب النساء اللواتي يلعبن معه في أفلامه، يصورهن بطريقة فيها شاعرية و عمق، ببساطة تنفذ لروحك دون حواجز، و الآن و أنا أكتب، قررت أن أخصص لاحقا، عمودا كاملا لهذه التجربة الفريدة في تاريخ السينما العربية..
اليوم سنتحدث عن فيلمه الأخير "قبل زحمة الصيف"، و الأكيد أننا سنرجع لتجاربه السينمائية التي تركت أثرا سيظل طويلا بعد وفاته، في الأسابيع و الشهور القادمة..
"قبل زحمة الصيف"، فيلم ليس به قفزات درامية كبرى، و في كثير من الأحيان تحس بأن القصة لا تتطور بالشكل الذي تتصور، و التحولات التي تنبؤك عادة بقرب "العقدة"، لا تظهر في هذا العمل، لكنه مع ذلك، سيناريو لذيذ، ليس محمد خان من كتبه، لكنها كانت فكرته..
على مدى خمسة أيام، قبل حلول فترة الصيف، في قرية سياحية على الساحل الشمالي، تدور أحداث الفيلم، بين الطبيب يحيى القاضي (ماجد الكدواني)، وزوجته ماجدة (لانا مشتاق) وجارتهما في القرية المترجمة المطلقة هالة سري (هنا شيحة)، وعامل القرية (أحمد داود) في دور جمعة.
ربما يظن البعض بأن البطل في الفيلم سيكون المتميز "ماجد الكدواني" أو الجميلة الساحرة "هنا شيحة"، لكن الحقيقة أن "البطل" كان هو عامل القرية "أحمد داوود"، هذا طبعا اذا تحدثنا عن الشخصيات، أما اذا تبنينا الطرح الذي يقول بأن الفكرة هي التي كانت بطلة للفيلم، و بأن جميع الشخصيات خدمتها بشكل متساو، فسيكون الأمر مختلفا و زوايا النظر مختلفة، و بالتالي طريقة الحديث عن الفيلم ستكون بشكل مختلف..
شخصية (جمعة) التي قام بأدائها "أحمد داوود"، تمثل ذلك المواطن المصري البسيط الذي عمل في الجيش، و أمنيته أن ينهي حياته "مستورا" لو اشتغل سائقا لسيارة خاصة، في الفيلم، (جمعة) هو عين المشاهد، و مرشده "السياحي" أيضا في الساحل المصري المشهور المطل على البحر الأبيض المتوسط، و الذي يحتضن مسارات شخصيات الفيلم..
اذا كنت ممن شاهدوا أفلام محمد خان السابقة، سيذكرك (جمعة) بشخصيات كثيرة، سيذكرك حتما بمنادي السيارات في فيلم (مستر كاراتيه) بطولة أحمد زكي (1993)، أو ربما ستجد فيه شيئا من عامل الأحذية المغرم بلعب كرة القدم في فيلم (الحريف) بطولة عادل إمام (1983)، أو سيرجع بك للنموذج البسيط الغالب داخل المجتمع المصري في (فتاة المصنع) بطولة ياسمين رئيس (2013)، أو الخادمة المطحونة في فيلم (أحلام هند وكاميليا) بطولة نجلاء فتحي في (1988)..
اختيار محمد خان لفضاء بعيد عن ضوضاء القاهرة، و أزقتها المزدحمة، و معالمها الدينية، القبطية منها و الاسلامية، و حواريها الضيقة المتربة، له، في تقديري، غاية واضحة، ستفهمها مع توالي دقائق الفيلم، فرغم أن (جمعة)، مواطن مصري "صميم"، الا أنه يتابع شخصيات أخرى يمكنها أن تكون من أي بلاد متوسطية على الأقل، ومن أي دولة في العالم مع التعميم..
لقد قلنا بأن سيناريو الفيلم لذيذ، وبالتالي فالفيلم مبهج في أكثر من محطة، و حامل لرسالة أمل، للأسف، "برومو" الفيلم تم طرحه بشكل سيئ للغاية، لأنه ركز على "هنا شيحة" بلباس البحر، فظن المشاهد العادي أنه فيلم اثارة، غير أن الأمر ليس بهذه السطحية.
"المثير" أن "برومو" الفيلم حصد في أقل من أسبوعين أكثر من مليوني مشاهد، لكن أغلبهم لم يدخل الا لكي يشاهد امرأة بلباس البحر، كانعكاس لحالة "التغطية الشاملة" التي اجتاحت مصر في العقود الأخيرة، و هي حالة تنتج مواطنا بنفسية معطوبة و متوترة، هو ضحية و في نفس الوقت يتصرف كما لو أنه هو صاحب "القرار"، و لهذا، فالباحثون عن الاثارة، لم يجدوها في الفيلم بالشكل الذي تصوروه، أما من لا يشاهدون الأفلام و لا يفهمونها أصلا، فكان "المايو" هو موضوعهم المفضل، و لا غرو، فهم أصحاب الفضيلة الأجلاء، لكن الفيلم لم يخرج لهم، و ان أرادوا هم "الخروج عليه" بمزايدات لا علاقة لها بالفن و أهله، نقادا و مهتمين..
هالة "هنا شيحة"، مطلقة حديثاً و تريد التعويض عن زيجتها المنتهية وتبحث عن حياة جديدة و ترغب في شريك يقدرها.
ماجدة "لانا مشتاق"، باقية على زيجة تعيسة، فقط لتحافظ على الوجاهة الاجتماعية والشكل المقبول، لكنها غير سعيدة في حقيقة الأمر عن اختيارها الخاطئ رغم المكابرة والعناد.
د. يحيي، "ماجد الكدواني"، محب للحياة، لكن كل رغباته غير مشبعة بالشكل المطلوب، رغم أنه مقبل على الدنيا بكل ما فيها من مال وشهرة وجنس وأكل بنهم و شراهة..
كل هؤلاء نراهم بعيون (جمعة)، الشاب الصعيدي الذي جاء إلى القرية السياحية بالساحل الشمالي بحثا عن العمل ولقمة العيش.. و يمكن أن نتصور لقاء أربعة أشخاص برجوازيين فى منتصف العمر بمكان معزول، يكون خامسهم، شاب يخدمهم و يراقبهم و يحكم عليهم حتى، سيساعدك (جمعة) بالتأكيد على رؤية مشاكلهم و التقرب من ضعفهم، لترى بوضوح الأمراض التي تصيب علاقاتهم ومعاملاتهم اليومية..
الفيلم ينقل لك استنتاجا صحيحا، و حقيقة لا غبار عليها و لا مكياج، و هي أن العزلة تضع الناس "عرايا" تحت منظار متفحص، هذا المنظار هو العزلة نفسها التي تضخم العيوب فى كل شخصية، اضافة الى أنه في الفيلم، يتكفل صاحب الدور "الرئيسي" (جمعة) بعملية "التبئير" ويتحكم فيها، لكن هذه العزلة تظهر لنا أيضا، و فى نفس الوقت.. جمالنا بشكل انساني مرهف شفاف ومؤثر.. و تجيبنا عن أسئلة من قبيل.. لماذا أصبحنا هكذا؟.. متى و كيف؟.. خصوصا.. "قبل زحمة الصيف"..