AHDATH.INFO- خاص

كيف يمكن وصف رد الفعل الجماعي الفيسبوكي، على الأقل، على زلة شرفات أفيلال؟ هل يندرج في إطار تتبع المواطنين للشأن السياسي؟ هل هو "الواجب" المفروض أن يقوم به المجتمع الفاعل في مراقبته للسياسي؟ أم أن كل الاحتجاج ضد الوزيرة التقدمية لا يتجاوز عتبة رد الفعل الشعبي على كلام ما كان ليقال في تلفزيون عمومي؟كل الإجابات يبدو أن لها نصيب من الصحة وتصلح لأن تكون تبريرا لردة فعل العموم ضد كلام أفيلال ولو اتسمت أحيانا بالعنف. إلا أن في الأمر حقائق أخرى لا ينبغي إغفالها. حجم ردود الفعل المتشجنة ما هو في الحقيقة إلا نتيجة لعدوى التقليد التي عادة ما تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعية، والتي قد لا تتعدى لدى البعض حدود السخرية من حدث ما أو شخصية، سيما إذا كانت عمومية كما هو المثال في حالتنا هاته. الفعل الجماهيري هو الذي يعطي لفكرة أو لفعل كل الأبعاد المتفاعلة التي قد يعظم حجمها إلى أن يصير مستعصيا على التحكم. لا يقتصر الأمر على رد فعل ضد زلة لسان أو كلام قيل عن قصد أو عن غير قصد، بل يتجاوزه إلى ردود فعل قد تكون أقوى مما قد نتصور حين يكون مجالها الميدان لا العالم الافتراضي.لكن ثمة فوارق بين الحالات وردود الفعل. فزلة شرفات أفيلال كانت ذات حمولة سياسية واجتماعية واقتصادية لا يمكن أن تمر مرور الكرام. فكان من الطبيعي أن يكون رد الفعل بحجم الزلة أو يزيد. اعتذارها لم يكف. الغاضبون مروا إلى المطالبة باستقالتها فيما تناسلت السخرية وتطورت إلى أشكال مبتكرة كثيرة. غير أن الثابت- وهو ما لا يمكن إخفاؤه أو تجاوزه من خلال الترفع عن ردود الأفعال وتجاهلها- هو أن هنالك في أمكنة متعددة من قناعات المواطنين أشياء لا ترضيهم... يتعايشون معها، لكنهم ينفرون منها. يقبلونها، لكنهم في قرار نفسهم يرفضونها. أشياء تتعدد وتختلف طبيعتها بين هذا وذاك، إلا أنها تشترك في مطلب واحد، ألا وهو مصلحة وطن ومواطنيه وكرامتهم وعدالتهم الاجتماعية. مهما حاولنا الهروب إلى الأمام. مهما حاولنا إخفاء الحقيقة. مهما أعطينا للأشياء مسميات خادعة، هنالك مكامن خلل عديدة على مستويات عديدة أيضا. "زوج فرانك"... عبارة بسيطة تفوهت بها المسؤولة السياسية، إلا أنها كانت كافية لتقليب مواجع أطياف واسعة من المجتمع. والمقصود- في حقيقة الأمر- لم تكن أفيلال نفسها بقدر ما كان هو التشريع المبنية عليه معاشات الوزراء وكبار رجالات الدولة وأصحاب المداخيل الكبرى وجدوى وجود مؤسسات لا يرى فيها الغاضبون إلا أنها تستنزف موارد البلد بينما يعيش عدد كبير من أبناء هذا البلد حالة الخصاص المادي المزمن. معنى ذلك أن في الأمر أشياء أخرى تتجاوز زلة لسان أفيلال. في الأمر رفض لواقع باتت نواقصه معروفة للجميع. لم يعد السياسيون هم الذين يحوزون امتياز الرؤية السياسية والاجتماعية والاقتصادية لواقع البلد، بل صار بإمكان غيرهم من بسطاء الناس أن يمارسوا حقهم في ذلك من زاويتهم الخاصة. ولعل في ذلك ما بات يزعج ويجعل ردود الفعل ضد ردود الفعل تكون أحيانا أكثر من تشنج الأولى، لا بل إن بعضها أسقط أصحابها في موقف العبث السياسي. زلة الوزيرة كانت بمثابة وخزة الإبرة التي أدمت جسدا يعاني الألم المتعدد ودفعت إلى إعادة طرح المطالب نفسها التي تُطرح عادة من باب المشاركة في تقويم ما يمكن تقويمه ومقاومة الريع. حذف الغرفة الثانية لم يناد به الغاضبون في الفيسبوك والتويتر وغيرهما فحسب، بل كان من بين المسؤولين السياسيين من نادى به في حال لم تعد لها جدوى. المعاشات البرلمانية الأبدية أيضا. أي شيء يبررها إذا كان البرلماني يجيء إلى قبة التشريع والمراقبة من باب العمل السياسي "التطوعي" والمشاركة في بناء الوطن وسعادة المواطنين؟ وقياسا على هذا المنوال يمكن أن نجعل الأسئلة تتناسل إلى ما دون نهاية ويمكن أن نستفيض في المقارنات والحسابات والأرقام ونقدم حجم الخسارات وحجم المكاسب إن نحن سخرنا أموال الريع السياسي والاقتصادي في حل مشاكلنا العالقة المستعصية على الحل في القضاء والصحة والتعليم والشغل...المجتمع يحيا بقوة ردود فعله حينما يكون الطموح مشروعا وذا مصداقية. والمجتمعات لا تتقدم إن هي ظلت ساكنة، منطوية على ما هي عليه بينما الخطوب كبيرة وتحتاج إلى أوراش شجاعة وحقيقية. لسوء حظ الرافضين لتغيير حال البؤساء أن حولهم في العالم نماذج راقية في الأداء السياسي والتطوع الأخلاقي تكفي لمسة زر واحدة للإطلاع عليها بالصوت والصورة. لهذا فحين ينتفض الغاضبون ضد "2 فرانك" الوزيرة، فإنما ينتفضون ضد واقع كان بالإمكان أن يكون أفضل بكثير مما هو عليه إذا توفرت الإرادة الصادقة وتوفر العزم على سد ثغرات الريع والحد من الامتيازات الممنوحة للبعض دون الغير وحضر العمل المسؤول في قطاعاتنا الاجتماعية والاقتصادية التي تحتاج أكثر من غيرها للعمل الحازم. لسنا فقراء أو معدمين إلى الحد الذي نعجز معه على إصلاح تعليمنا أو قضائنا أو صحتنا. لسنا بأسوإ حال من بلدان تجاوزتنا على هذه المستويات. لا نعدم عقولا ذكية ولا سواعد قوية. نحتاج فقط إلى شجاعة التخلي عن أنانيتنا سواء كان مقدار الكسب "زوج فرانك" أو الملايين.

سعيد الشطبي