لا يمكن عزل ما حدث في مركب الأمير مولاي عبد الله من أحداث شغب مؤسفة عن مجمل الأحداث المشابهة في النوع، والمختلفة في الدرجة، التي وقعت في مقابلات ومدن أخرى (أكادير، الدار البيضاء، بركان…). لا يتعلق الأمر إذن بسلوك عنيف يصدر عن جمهور ناد معين أو مدينة محددة، بل بظاهرة لم نجد لها حلولا بعد، رغم أنها تعود لسنوات غير قليلة، بل يمكن القول إن الظاهرة تتفاقم بسرعة، لتتحول من الاستثنائي إلى البنيوي.
كما لا يتعلق الأمر حصرا بمجموعة من الشباب المحرومين ماديا، أو المنحدرين من طبقات اجتماعية دنيا؛ فرغم أن هذه الفئة تمثل النسبة الأكبر من عدد المعتقلين أو المتابعين على خلفية هذه الأحداث، فإننا لا نعدم كذلك وجود متورطين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة، أو من الحاصلين على شهادات البكالوريا وشهادات جامعية ومهنية.
ولذلك، يحسن بنا أن نخرج من دائرة ردود الأفعال الانفعالية التي يمكن أن تنتاب أي أحد منا بعد مشاهدته لفيديوهات ذلك الشغب العنيف المتضمن لأفعال جرمية، وأن نأخذ مسافة تسمح لنا بالتأمل الرصين في الظاهرة: دوافعها وسياقاتها.
قد نتفهم بعض ردود الفعل الغاضبة التي لم تكتف بإدانة أعمال العنف والاعتداءات البدنية وتخريب المنشآت العمومية، بل تجاوزتها إلى وصم طبقة اجتماعية معينة أو فئات سنية محددة؛ ولكن ذلك لا يجيب عن السؤال الأساس: لماذا تحولت ملاعبنا إلى قنابل موقوتة قد تنفجر في أي لحظة بأعمال عنف؟
لقد كانت كرة القدم دوما، أو في الغالب الأعم، هي رياضة الفقراء، فأغلب جماهيرها التي تملأ المدرجات تأتي من أحياء شعبية أو من هوامش الضواحي، كما أن أغلب اللاعبين -بمن فيهم المشهورون دوليا- قدموا من هذه البيئات نفسها، حتى في أوروبا وأمريكا.
وفي الثمانينيات وما قبلها، كان شغب الملاعب عندنا محدودا قياسا إلى ما كان يقع في الملاعب الأوروبية تحديدا، وخاصة في إيطاليا وإنجلترا. لكن بعد ذلك انعكست الآية؛ حيث استطاعت المنظومات الأوروبية المعنية بتنظيم الدوريات الكروية التقليص إلى أبعد الحدود من هذه الظاهرة، فيما ارتفع منسوبها عندنا بأشكال وتعبيرات مخيفة. ليصبح السؤال: كيف حدث هذا التحول؟ ولماذا تحولت مدرجات الملاعب والأزقة المحيطة بها إلى فضاءات لإعادة إنتاج العنف والتعصب والفوضى؟
نحن لسنا بإزاء أحداث معزولة، بل أمام ممارسات أضحت بنيوية. لنتأمل تفصيلا صغيرا: لقد أقيمت مقابلة الجيش الملكي والرجاء البيضاوي يوم الخميس على الساعة السادسة مساء، وقد بدأ توافد الجماهير على الملعب في حدود الثانية بعد الزوال، فيما بدأ التنقل الجماعي من الدار البيضاء صباحا.
ذلك الخميس الأسود لم يكن يوم عطلة، وبالتأمل في أعمار الحاضرين يتبين أن أغلبهم من الفئة التي تتراوح أعمارها بين 15 و30 سنة. كيف انتظمت هذه الأعداد الغفيرة، ومنها من تنقل من مدن مختلفة، في يوم من المفروض أن يكون يوم عمل ودراسة؟
يذكرنا المشهد بالدراسة التي قامت بها المندوبية السامية للتخطيط، والتي كشفت فيها عن الأعداد الكبيرة للشباب (بين 15 و25 سنة) الذين لا يوجدون فوق مقاعد الدراسة، ولا في أماكن العمل، ولا يتلقون أي تكوين. إنهم ينتمون إلى الفئة النشطة افتراضيا، ولكنهم واقعيا خارج أي مسلك من مسالك الإدماج الاجتماعي؛ وهي المسالك التي ينبغي ألا تخرج عن دوائر الدراسة أو التكوين أو الشغل.
فإذا أضفنا إلى ذلك الأرقام التي صرح بها وزير التربية الوطنية السابق عن مغادرة حوالي 350 ألف تلميذ لمقاعد الدراسة دون إكمال مسارات التعليم الإلزامي، وفي أعمار تقل عن 15 سنة؛ نكون أمام جرس إنذار للدولة والمجتمع، للأسر والأحزاب، وللنخب ومهندسي السياسات.
نحن أمام جيل شاب لا يجد نفسه في أي أطر للإدماج والتهيئة الاجتماعية، وخصوصا بعد تراجع دور الجمعيات والمنظمات الشبيبية والتربوية والفنية. فلا هو يحس بالانتماء للأسرة (بسبب صراع الأجيال)، ويأنف من الأحزاب والتنظيمات السياسية القانونية، ويعيش تناقضا بين الواقع اليومي وبين الأحلام الكبرى المؤجلة التي ضخمتها الطفرة التكنولوجية. ولذلك يبحث عن أشكال جديدة للانتماء تمنحه المعنى: الألتراس مثلا، أو حلقات الموسيقى الجديدة التي نرصد تعبيراتها في تظاهرات البولفار؛ فالراب بدوره لا يخلو من كلمات الغضب وأحيانا الإقصاء، تماما كما في أهازيج الألترات.
الآخر الذي نمثله نحن (العقلانيون، ذوو الوضع الاجتماعي المريح…) يمثل بالنسبة لهذا الجيل الجحيم وسبب الإحباط. فإذا أضفنا إشكالية الانتماء إلى مشاكل الإقصاء الاجتماعي، فإننا لن نحصد إلا ما رأيناه في مركب الأمير مولاي عبد الله، أو في الانفلاتات العنيفة التي شهدتها مدن أخرى.
لا ينبغي أن ندفن رؤوسنا في الرمال؛ فالأمر أكبر من الحديث المتكرر عن تشويه صورة الوطن، وكأن لا مشكلة فيما حدث إذا لم يتم تصويره! يجب أن نعالج أعطابنا قبل أن نهتم بكيف يرانا الآخرون؛ وفي النهاية، فكل دول العالم تقع فيها حوادث سلبية، ولسنا بدعا من الأمم.
إن المتورطين في أحداث الشغب هم أبناؤنا وإخواننا وجيراننا، ولا ينفع أن نتدثر بطهرانية زائفة نتحدث فيها عنهم وكأنهم نبتوا في أرض خلاء. لا يعني هذا تبريرا لما حدث؛ فالأفعال الجرمية لا تبرر كي لا يتحول التبرير إلى طريق للإفلات من العقاب، ولكن حين تتحول الأفعال الجرمية من حالات معزولة إلى ممارسة مجتمعية لفئات عريضة، فإنها تتطلب دراسة الأسباب لمعالجتها من الجذور.
لقد حققت بلادنا تقدما ملحوظا في مجالات عديدة وبنفس تحديثي واضح، ولكن هناك مجالات أخرى تحتاج إلى إعادة نظر واهتمام حقيقي. إن ما حدث هو إجابة متكررة عن الفشل في ميادين التعليم، والشغل، والعدالة الاجتماعية، والتأهيل التربوي والسياسي للشباب.
