تخليد ربع قرن من حكم الملك محمد السادس.. لحظات استثنائية

بواسطة الثلاثاء 30 يوليو, 2024 - 23:43

لعيد العرش خلال هذه السنة وقع خاص، فقد تحالفت عدة معطيات لجعل هذه المناسبة التي تخلد لمرور 25 سنة على حكم محمد السادس، اي ربع قرن من الزمن، متميزة عبر عدة مستويات.

أولا، لأنها تزامنت مع إعلان القصر الملكي عن إصدار عفو ملكي كريم عن عدد من الصحفيين والمؤثرين الذين قضووا عقوبات حبسية متفاوتة المدة حسب العقوبة المحكوم بها على كل فرد.

عفو ملكي قوبل بردة فعل إيجابية وترحاب كبير على الصعيدين الوطني والدولي، بعدما انتشرت في الآونة الأخيرة نداءات لإطلاق سراح المعفو عنهم، الذين سجن الغالبية منهم، بسبب قضايا جنائية، في حين الترويج لدى بعض الأوساط الحقوقية، ان المتابعة سياسية في الأصل وإن غلفت بتكييفات جرمية أخرى. لكن بعيدا عن هذه السجالات التي شغلت حيزا كبيرا من الزمن المغربي، وربما استغلها بعض خصومنا للترويج لصورة سيئة عن بلادنا، التي قطعت أشواطا كبيرة في مجال حقوق والحريات منذ الإعلان عن طي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، فإن قرار صاحب الجلالة بتمتيع المعنيين بهذه العقوبات بالعفو، جاء في مرحلة مفصلية هامة، لقطع الطريق عن هؤلاء المناوشين والمتربصين، ومن تم، الدفاع عن التجربة المغربية الرائدة ضد من يحاول النيل منها والخدش في البناء المؤسساتي التي بدأت بلادنا بناءه بثبات وثقة بالنفس رغم المعيقات العديدة وكثرة الإكراهات.

لذا أعتقد، أن قرار الإفراج هذا، هو اختيار دولتي تزعمه جلالة الملك للدفاع عن المكتسبات الوطنية في المجال الحقوقي وحفظ الحريات، وقد مارسه باعتباره حقا دستوريا ثابتا لجلالته، وفقا لما تمليه مصلحة البلاد وصورتها في الداخل والخارج وليس بدافع الضغط من أي جهة ما، وقد كان من الأجدى بالفعل طي هذا الملف، من أجل التركيز على ما هو أهم بالنسبة لبلادنا وهو الطي النهائي لقضية الصحراء باعتبارها جزءا لا يتجزأ من التراب الوطني وواحدا من مكونات السيادة المغربية.

هذا هو المستوى الثاني الذي يجعلني أقر بفرادة اللحظة الوطنية التي تزامنت مع خطاب جلالة الملك، وهي إعلان الإليزيه رسميا عن دعمه لمقترح الحكم الذاتي، و إعلان الرئاسة الفرنسية في الرسالة الرسمية الموجهة إلى جلالته بأن “حاضر ومستقبل الصحراء الغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية”، وأن “الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يعد الإطار الذي يجب من خلاله حل هذه القضية..”.

أعتقد أنه لا يوجد تعبير آخر أوضح من هذا الوضوح، وبذلك تنضاف فرنسا إلى قائمة الدول الكبرى (الدائمة العضوية في مجلس الأمن)، إلى تشكيلة الدول الداعمة للمقترح المغربي والمقرة بسيادة المغرب على أقاليم الصحراء، وهو ما ينبئ بقرب الانفراج النهائي لهذه القضية وانحسار الطرح الانفصالي وقرب زواله.

ومن المهم في هذا الباب الإشارة إلى معطى أساسي، يعكس حكمة وذكاء الموقف المغربي، وهو تعمد صاحب الجلالة عدم تضمين خطاب العرش الإشارة إلى هذا التحول الهام في الموقف الفرنسي، رغم أهميته القصوى ورواجه الواسع قبل الخطاب، والسبب، أن حسن النية التي أبداها المغرب طيلة سنوات، كثيرا ما كانت تقابل في بعض الظروف بالتنكر والتجاهل ولا سيما من قبل الطرف الفرنسي، الذي سبق لجلالته أن طالبه في خطبة سابقة بضرورة الخروج من “المنطقة الرمادية”، وخاطبه بلغة سيادية قوية، تستنكر الابتزاز واللعب على الحبلين.

من أجل ذلك، فقد تعمد جلالته عدم الإشارة إلى هذا الموقف الجديد، حتى يعلن عنه الطرف الفرنسي ذاته، باعتباره هو المعني الأساس بموقفه والأجدر بالإعلان عنه، وأن المغرب “ما تيسبقش العرس بليلة”، ولأن قضيته عادلة فإنه ماض في الدفاع عنها ولا ينتظر مواقف العطف من أحد، فإما الوضوح أو لا، إذ المبدأ، أن الدول تبني مواقفها بناء على المواقف الرسمية للدول وليس على “مايقال وما يروج”.

بخصوص القضية الفلسطينية، فأعتقد أن جلالة الملك كان واضحا في إبداء موقف المغرب منها، بعيدا عن أوهام ومغالطات “نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، فقد تكلم بمنتهى الواقعية والوضوح قاطعا الطريق عن كل المزايدات، وقال إن المغرب كان دائما مع الدولة الفلسطينية، ولأنه كذلك، فقد فتح طريقا لمد المساعدات لساكنة غزة بعد أن عجز العديد من المتاجرين بالقضية عن فعل ذلك، بل ورفض الخصوع للابتزاز عندما نشر رئيس الكيان الغاشم خريطة المغرب مبتور عنها الجهات الصحراوية العزيزة ردا على موقف المغرب اتجاه غزة.

ورغم كل هذا الدعم، فقد صنف جلالة الملك كل المجهودات المبذولة لإنهاء العدوان اليوم، بأنها مجرد تدبير مرحلي لأزمة وليس حلا جذريا لها، وتبعا لذلك، قدم بمنظور واقعي ورؤية مستدامة، عرضا دبلوماسيا لوقف العدوان يتكون من ثلاث نقط أساسية، أولها توسيع الأفق السياسي، وهو نداء للأطراف المتصارعة، كي تفكر في مقاربة أخرى لتدبير الصراع، قوامها التعايش “ولو على مضض”، وليس المحق والإفناء. وثانيها الجلوس على طاولة المفاوضات وفق الأفق السياسي المقترح من طرف جلالته، والذي لا يقبل بالمتطرفين من هذا الطرف أو ذاك، وفي ظني أن الطرف الإسرائيلي لحد الساعة هو الأكثر تطرفا والأشد تعنتا على اعتبار أن موازين القوى لصالحه فضلا عن الدعم الأمريكي الصريح. أما ثالثها فهو حل الدولتين التي لن تكون إلا تتويجا للنقطتين السابقتين على أساس اعتبار غزة جزءا لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.

من هنا أرى، أن رسالة الخطاب الملكي في هذا الظرف، موجهة لكل المزايدين على الموقف المغربي، ومضمونها الداعم لقيام الدولة الفلسطينية وحفظ حقوق الشعب الفلسطيني واضح الآن وكما كان دائما، إذ المغرب معروف بحب الألوان الواضحة ويكره المساحات الرمادية.

أخيرا، آمل أن يشمل العفو الملكي معتقلي الريف في أقرب فرصة ممكنة… أنا على يقين بأن العفو مجرد وقت وترتيب لأمور ربما نجهل بعض تفاصيلها، وأن دورهم قادم.

(*) أستاذ بكلية العلوم القانونية جامعة شعيب الدكالي

آخر الأخبار

ثورة "السكك"..هذه تفاصيل تقدم أشغال "البراق" بين القنيطرة ومراكش
تسير أشغال إنجاز الخط الجديد للقطار فائق السرعة الرابط بين القنيطرة ومراكش تقدما ملحوظا وفق الأجندة المحددة. يتعلق الأمر بمشروع سككي ضخم وتاريخي، كان قد أعطى انطلاقته جلالة الملك محمد السادس قبل سنة من الآن، فيما يواصل المكتب الوطني للسكك الحديدية بفعالية تنزيل هذا الورش الاستراتيجي، الذي رصد له غلاف استثماري يصل ل96 مليار درهم. […]
البواري من مكناس: نحتاج لأفكار ''الشباب'' في التحول الفلاحي
على هامش أشغال الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب، ترأس أحمد البواري وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أمس السبت بمدينة مكناس، لقاء مفتوحا مع طلبة مؤسسات التعليم العالي والتكوين المهني الفلاحي، بحضور محمد فكرات رئيس مجلس الإدارة الجماعية للقرض الفلاحي. وجمع اللقاء، المنعقد تحت شعار “السياسات والتعليم الفلاحي: الرهانات والآفاق”، أزيد من 250 طالبة […]
هجمات باماكو.. مالي تكسر "جدار الصمت" والعين على الجزائر والبوليساريو
في الوقت الذي كانت فيه سحب الدخان لا تزال تصاعد فوق ثكنة “كاتي” ومحيط مطار باماكو، حمل البلاغ رقم (001-2026) الصادر عن الحكومة الانتقالية في مالي “لغة مشفرة” وجهت فيها أصابع الاتهام الضمنية إلى ما وصفته بـ “رعاة الإرهاب” (Sponsors)، في تلميح اعتبره مراقبون يستهدف بشكل مباشر الجزائر وجبهة البوليساريو. ويرى محللون سياسيون أن اختيار باماكو […]
كتاب "نحن أمة" .. طارق وبياض يتناولان إشكلات السرد الوطني
سلط الباحثين المغربيين حسن طارق، والطيب بياض، الضوء على إشكالات السرد الوطني من خلال عمل مشترك تحت عنوان “نحن أمة: السرد الوطني،سؤال المنهج وعتبات الفهم”. وأعلنت منشورات باب الحكمة أن هذا الكتاب يأتي في سياق فكري وثقافي يتسم بتجدد الأسئلة حول معنى “الأمة” وحدود تمثلاتها، حيث يعيد العمل المشترك مساءلة السرد الوطني باعتباره بناء تاريخي […]