تابع الجميع فيضانات صالت وجالت خلال أربعة أيام من جنوب المغرب، وجنوبه الشرقي وصولا إلى شرق المملكة، فيضانات بأصوات مرعبة تنطلق مزمجرة، أنعشت حقينة السدود وغذت الفرشة المائية وأعادت الحياة إلى واحات النخيل بعد 70 سنة من التواري إلى الخلف، بقدر ما خلفت وراءها أرواحا وجرحى ومشردين هدمت البيوت والطرقات والقناطر ومرافق عمومية، وأتلفت الحقول واجتثث الأشجار.
الأكيد أن فضل هذه التساقطات التي جاءت بعد قنوط ويأس عميقين لا يمكن قياسها بالخسائر المسجلة، لكن مع ذلك فإن السيول ألحقت أضرارا كبيرة بالبنيات التحتية وعرت عيوب البناء والزراعة والفلاحة.
كشفت الأمطار عن قناطر نخرتها سيول الأودية من جوانبها ثم أحاطت بها وقامت بجرها، للآن هذه القناطر لم تتوفر على أساسات جانبية تحميها من الوادي عندما يتجاوز علوها، كما كشفت عن طرقات حديثة بقشرة رقيقة من الإسفلت، وأبانت أن السلطات سايرت عبر عقود العمران الذي اعتمد فيه الناس على مزاجيتهم وجشعهم، فبنوا بمجال الأودية وأقاموا الزراعات والنباتات فوق أراض تعتبر ملكا خاصا للأودية خطتها وحفرتها عبر أزمنة جيولوجية موغلة في القدم.
ورغم أنها هجرتها منذ أزمنة سحيقة، ها هي تعود من جديد لتقرع جرس الإنذار في حق الساكنة والحكومة عبر رسالة أولى مفادها بأنه طال الزمان أو قصر سيتذكر الوادي مجراه ويعود إليه، فيزيح كل من يجده أمامه، كما كشف الوادي أن الشعاب بالمرتفعات واحدة من بناته التي تغذي حمولته ويجب الابتعاد عنها، بين للساكنة التي أقامت الدور والواحات على مرمى حجر من فوهات تلك التشعبات بأنها يجب أن تبتعد عن طريقه وعن إطلالاته، فكانت الرسالة واضحة، وهي ما رأيناه منذ أسبوع بمنطقة أوكرطا سموكن عندما غذت التشعبات اثنين من الأودية فهاجمت الساكنة واختطفت أرواحا.
هذه الوقائع تكشف خلاصة أولية مفادها أن المصالح الوزارية بعدما يكون الوادي قد تراجع عن عنفوانه يجب أن تنزل للميدان لكي تخطط إلى المستقبل وأن تصحح أخطاء الحكومات السابقة ومعها أخطاء الماضي البعيد، وعوض أن تعوض الناس عما جره الوادي يجب أن تخرجهم من مجاله ليسترجع طريقه الأبدي، لأن الوادي لن ينسى تاريخه، كما لن يتخلى عن جغرافيته.
هذا يقتضي أن تعيد هيكلة التجمعات السكنية والمجالات الزراعية التي ترامت عبر عقود على المجال النهري، ومجال الأودية، لأن المسؤولين، كما هو شائع، حريصون في غالب الأحيان على حماية المجال البحري لأسباب جمالية سياحية اقتصادية، بينما يعتبرون الترامي على حق الأودية أمرا غير كثير الأهمية مقارنة مع البحر المفتوح على العمران والرفاه السياحي، وما يرتبط بذلك من جاذبية اقتصادية.
الحكومات السابقة سايرت هذا الترامي، فبنت ملاعب غمرها السيل ومساجد هدمتها الأودية ومدارس عبثت بها السيول، كما أقامت طرقا وقناطر جرفتها سيول الأيام الأربعة الأخيرة.
وبالطبع كشفت السيول عن مجموعة من الخروقات التي ترتكبها إدارات وشركات تتولى الأشغال، تكشف الأمطار عن مظاهر الغش التي تطال بعض هذه المشاريع، وقد عبر عنها بسطاء مسنون في وقفة احتجاجية عفوية بعبارة “أمودير فلاحي الحديد الرقيقة، الرملة ترابة القنطرة كذبا” فأصبحت هذه العبارات لازمة لكشف رداءة البنيات التحتية.
خلاصة القول أن التغيرات المناخية التي شهدها العالم تكشف كل يوم عن مفاجآت، على حكومتنا أن تدخلها في الحسبان عبر تشريعات عمرانية جديدة تأخذ بعين الاعتبار الظواهر الطبيعية المستجدة، فبعد زلزال الحوز والعبر التي منحها لمدبري الشأن العام، ها هي فيضانات الجنوب والشرق والجنوب الشرقي تكشف عواقب “اللعب مع الوادي” يكشف أن ما سبق انتهى وأنه عاد ليسترجع أملاكه، والدليل أن فيضانات ليلية أمس الإثنين جعلت الوادي يرفع من علوه ومن هجوماته بتمنارت بإقليم طاطا فجرف بيوتا ومعها مسجد الساكنة.
