“وطني عجوز كما لم يتبق منهم، وطني ينتمي إلى عصر ذهبي”، هكذا وصف المندوب السامي للتخطيط، أحمد الحليمي نفسه. لكنه استطرد قائلا: «ولحسن الحظ، مازال هناك وطنيون ولدينا شباب وطني، الوطنية بالنسبة له هي العمل والإنجاز والفعل”.
الحليمي، الذي كان يتحدث في ختام لقاء لتقديم خلاصات الحساب التابع للتشغيل، الثلاثاء 30 ماي 2023 بمقر المندوبية بالرباط، شدد على أن التنمية لن تتحقق إلا بـ«الإدماج الأمثل ولأقصى درجة للرأسمال البشري الوطني والاستفادة من قدراته ومهاراته وتمكينه من فرص الشغل”.
“المغرب قبل كل شيء، المغرب قبل كل شيء، المغرب قبل كل شيء”، هكذا ردد الحليمي وهو يحث على الاستفادة من الرأسمال البشري المغربي من خلال إشراكه في الإنتاج وفي تحريك عجلة الاقتصاد الوطني بما يحقق التنمية.
الحليمي، وبنبرة كلها أسف، قال: «المغرب قام باستثمارات جبارة خلال العقدين الأخيرين في البنيات التحتية، التي هي الآن تتآكل دون أن يتم استغلالها الاستغلال الأمثل. وهذا عار على الرأسمال المغربي، الذي لابد وأن يسائل نفسه عما تحقق على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والوطني من كل هذه الاستثمارات الضخمة في البنيات التحتية، أن يسائل نفسه عن جدوى هذا الاستثمار أو ذاك مقابل الحفاظ على بنية ضعيفة على مستوى فرص الشغل المحدثة ومراكمة الثروة، أن يسائل نفسه حول مقداراستثماره في الرأسمال البشري وفي تجويد العمالة المغربية..”.
وشدد الحليمي على ضرورة تعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني بما يحقق له جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال الخارجية ويتيح خلق فرص شغل متنوعة وقادرة على امتصاص الموارد البشرية المحلية، التي قال إنها لا تنقصها لا الكفاءة والخبرة ولا التأهيل ولا القدرة على الإبداع ولا الرغبة في العمل. إذ يقول في هذا الصدد: «حينما نقف عند استفحال العمل غير المهكيل في قطاعات متعددة، فهذا يعكس رغبة جامحة في الإنتاج، وإرادة قوية في الاعتماد على الذات وعلى السواعد وعلى الجهد الذاتي وهذه فرصة رائعة ليلدنا، ورافعة حقيقية للتنمية”. وزاد الحليمي قائلا: «نتوفر على رأسمال بشري وساكنة راغبة في العمل ومبدعة”.
ونبه الحليمي إلى أن تحقيق التنمية رهين بـ”توفر الجدية وإرادة حقيقية لتشغيل الموارد البشرية ووضع أسس تطوير قطاعات لم نتمكن من تطويرها إلى حد الآن”.
وأبرز الحليمي أهمية استغلال كافة المقومات المساعدة على تحقيق التنمية، التي يتوفر عليها المغرب، وفي مقدمتها الهبة الديمغرافية، أي وصول نسبة مرتفعة من الأفراد في سن النشاط الاقتصادي إلى سوق الشغل، والتي قال إنها فرصة «لم نحسن إلى الآن استغلالها والتي ستنتهي في غضون 2038». هذا فضلا عن الاستقرار، والأمن، والموقع الجغرافي المتميز، الذي يجعل من المغرب نقطة جذب ويعزز انفتاحه على كافة الأسواق الفعلية والمحتملة يؤكد الحليمي.
لم يخف الحليمي الحرقة، التي تتملكه في كل مرة يتحدث فيها عن المغرب وتطوره وتنميته، وعن «الفرص التي تضيع» منه أو التراجعات، التي يسجلها على مستويات عدة مما يؤخر انطلاقته التنموية الشمولية.
وبأريحية، أكد الحليمي أن المعطيات، التي قدمتها مندوبيته في تحليلها للمعطيات المتصلة بالحساب التابع للتشغيل، بشكل خاص، أو مختلف المعطيات الإحصائية والبحثية الأخرى، «هي قابلة للنقد وللمناقشة لكنها تظل ذات أهمية قصوى لكل حكومة ترغب في الذهاب أبعد من الخلاصات التي قدمناها. وهي المعطيات المحصل عليها التي لا يتعين على أية حكومة تجاهلها أو تجاوزها”.
واستطرد الحليمي موضحا: “هي سلسلة من المعطيات، التي تتيح بلورة ليس فقط حساب تابع وإنما سياسة قائمة الذات، سواء كانت سياسة تنموية، أو سياسة تشغيل، أو سياسة إدماج لاقتصادنا، أو إدماج الفلاحة في البنية الاقتصادية الشمولية.”
ودعا الحليمي إلى إدماج اليد العاملة بالفلاحة، التي قال إنها تشكل فائضا في «أنشطة اقتصادية ذات قيمة مضافة مرتفعة أو ذات قيمة مضافة متصاعدة». واعتبر الحليمي أنه من الضروري إدماج هذه الموارد البشرية الفائضة بقطاع الفلاحة من خلال توفير استثمارات ليست موجهة «حصريا للمقاولات الكبرى، وإنما من خلال خلق استثمارات خاصة بالمقاولات الصغرى والمتوسطة».
وانتقد أحمد الحليمي، في هذا السياق، المواثيق الاستثمارية المعتمدة في إطار دعم المقاولات وخلق فرص الشغل، حيث قال: «لطالما تم اعتماد مواثيق استثمارية مخصصة للمقاولات الكبرى لكن، بالموازاة، يتعين خلق استثمارات موجهة للمقاولات الصغرى والمتوسطة ولإحداث أنشطة صغرى قد تكون ذات قيمة مضافة ضعيفة لكنها قادرة على تشكيل شبكات إنتاجية، وشبكات إنتاج، وشبكات دعم جودة الاقتصاد الوطني.”
وزاد الحليمي مبرزا: «نتوفر على كافة المعطيات اللازمة لوضع تصورات وسياسات اقتصادية سواء على مستوى الاستثمارات ليس فقط في ما يهم المقاولات الكبرى، والتي تستوجب التوفر على قدرة تفاوض عالية معها لأجل إسهامها في نقل الخبرة وفي امتصاص الرأسمال البشري إلى أقصى حد”.
وشدد الحليمي قائلا: “نحتاج إلى الحفاظ على انتعاشة البنيات الاقتصادية والحماسة، التي تبت في المقاولات الصغرى والمتوسطة بين الفينة والأخرى، إن كان من خلال تشجيع ودعم الادخارات الصغرى أو الاستثمارات الصغيرة أو تقديم الدعم المالي اللازم”.
واعتبر الحليمي أن المجالس الجماعية الترابية ملزمة بالانخراط في دعم الاستثمارات لخلق المقاولات الصغرى والمتوسطة لأنه يندرج في صميم اختصاصاتها وأدوارها، وذلك بغاية تطوير خدمات لفائدة الساكنة المحلية. وانتقد الحليمي، في هذا السياق، ضعف الاعتمادات المالية المخصصة للقروض على مستوى ماليات المجالس المنتخبة، حيث قال: «ليس من حقنا اليوم أن نسجل نسبة جد ضعيفة على مستوى القروض الموجهة لخلق المقاولات الصغرى والمتوسطة من قبل الجماعات.. هناك الكثير من العمل اللازم الذي يتعين القيام به في هذا الشأن ولابد من مضاعفة الجهود”.
ونبه الحليمي قائلا: «العمل، إنه سبيلنا الأوحد لتحقيق التنمية المنشودة، فالعالم أضحى صعبا والوقت صعب كذلك ولم يعد العالم يحكمه منطق العولمة، التي فتحت آفاق التبادلات الحرة على مصراعيها، فكل بلد الآن تحكمه وتتحكم فيه مصالحه الخاصة. لذلك، المغرب قبل كل شيء، المغرب قبل كل شيء، المغرب قبل كل شيء”.
