المصالحة المغاربية بين اليد الممدودة ومنطق الجغرافيا: قراءة جيو إستراتيجية في دعوة الملك محمد السادس لإنهاء الجمود مع الجزائر

بواسطة الخميس 31 يوليو, 2025 - 11:43

في لحظة إقليمية تتسم بالتعقيد والتقلب الجيوسياسي، شكلت دعوة الملك محمد السادس، في خطاب العرش لسنة 2025، إلى إنهاء حالة الجمود السياسي مع الجزائر، نقطة تحول دقيقة لا يمكن التعامل معها بخلفية العلاقات الثنائية التقليدية فحسب، بل ينبغي تحليلها من خلال عدسة جيو إستراتيجية شاملة تستحضر التحولات البنيوية في الإقليم المغاربي ومحيطه الإفريقي والمتوسطي.

فهذه الدعوة، التي جاءت بلغة رزينة وحاسمة في آن واحد، حسب يوسف الادريسي الحسني، رئيس الجمعية الفرنسية المغربية لحقوق الإنسان-باريس، لا تعبر عن مجرد رغبة عاطفية في طي صفحة الخلاف، بل تكشف عن إدراك مغربي عميق بأن معركة السيادة والتنمية والاستقرار في القرن الواحد والعشرين لا تكسب عبر الخطابات العدوانية أو حروب الاستنزاف الدبلوماسي، بل عبر بناء تكتلات إقليمية قوية وواقعية، توازن بين احترام الخصوصيات وضرورة التوحد أمام التحديات العابرة للحدود.

وأضاف أن ما يلفت في خطاب العرش ليس فقط مضمون الدعوة إلى المصالحة، بل توقيتها وسياقه الإقليمي والدولي. فالخطاب جاء بعد سلسلة من المكاسب المغربية في ملف الصحراء، سواء عبر توسع رقعة الاعترافات الدولية، أو من خلال اختراقات اقتصادية وأمنية في العمق الإفريقي، إضافة إلى شراكات قوية مع قوى كبرى كالولايات المتحدة، الصين، والهند.

**media[58663]**

وأوضح في تصريح لموقع “أحداث أنفو”، أن هذه الوضعية تمنح المغرب هامشا مريحا للمبادرة الدبلوماسية، وتمكنه من تقديم عرض مصالحة من موقع القوة الناعمة لا الضعف، وهي رسالة مشفرة للجزائر مفادها أن اليد الممدودة لا تعني التنازل، بل تعني أن المغرب يريد تجاوز منطق المعارك الصفرية نحو هندسة واقعية لمستقبل المنطقة.

وشدد على أن الجانب الجيوإستراتيجي في هذه الدعوة لا يقتصر على بعدها الرمزي أو الإنساني، بل يتجلى في استثمار المغرب لموقعه الجغرافي كمعبر حيوي بين أوروبا وإفريقيا، وفي رؤيته الاقتصادية القائمة على المبادرات الكبرى مثل خط أنبوب الغاز مع نيجيريا، وميناء الداخلة الأطلسي، والطريق التجاري العابر للصحراء، وكلها مشاريع لا يمكن أن تحقق فعاليتها القصوى إلا في ظل تعاون إقليمي حقيقي.

 من هذا المنظور، يرى الإدريسي، أن الجمود مع الجزائر لا يعطل فقط العلاقات السياسية، بل يعيق تحول المنطقة المغاربية إلى فاعل جغرافي استراتيجي متكامل، ويبقيها رهينة للأجندات الخارجية، ولصراعات تجاوزها الزمن.

وقال إن دعوة الملك محمد السادس هي أيضا اختبار للعمق التاريخي للعلاقات المغاربية، فبين المغرب والجزائر لا توجد فقط حدود متوترة أو ملفات عالقة، بل توجد ذاكرة مشتركة، وموروث ثقافي وسياسي عابر للدول الوطنية الحديثة.

وأبرز أن استمرار القطيعة يندر بتحول هذا الموروث من جسر للتقارب إلى وقود للتباعد، وهو ما يفسر الطابع الاستعجالي لهذه الدعوة الملكية التي تحاول وقف هذا الانحدار قبل أن يتحول إلى واقع لا رجعة فيه.

 لكن في المقابل، فإن التجاوب مع هذا النداء لا يمكن أن يكون من باب النوايا الحسنة فقط، بل يتطلب تحركا سياسيا عقلانيا من الجانب الجزائري، يقر بأن استقرار المغرب ليس تهديدا له، وأن مغربا قويا من شأنه أن يقوي الجزائر والمنطقة بأكملها.

من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن النظام الجزائري قد يجد صعوبة في التجاوب الفوري مع هذه المبادرة، بسبب بنيته السياسية الداخلية التي تقتات منذ عقود على “عداء عقائدي” تجاه المغرب، كوسيلة لضبط التوازنات الداخلية وصرف الأنظار عن أزماته البنيوية.

 وشدد على أن دعوة المغرب تضع القيادة الجزائرية أمام خيار تاريخي: إما الانخراط في منطق الدولة الواعية بمصالح شعوبها ومستقبلها الجيواقتصادي، وإما الاستمرار في هندسة العداء، وهو خيار مكلف استراتيجيا، لا سيما في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها القارة الإفريقية، وتزايد الطلب الدولي على الشركاء المستقرين القادرين على ضمان الأمن الطاقي والغذائي والحدودي.

ولعل الأهم في هذا السياق، أن المغرب عبر خطابه الملكي لا يخاطب الجزائر الرسمية فقط، بل يوجه نداء ضمنيا إلى الشعوب المغاربية، وإلى القوى الدولية، وإلى الفاعلين الاقتصاديين والإقليميين، بأن المملكة تضع مصلحة المنطقة فوق الحسابات الضيقة، وتفتح بابا سياسيا للحوار لا يزال ممكنا، لكنه ليس مفتوحا إلى الأبد. فهذا العرض السياسي، وإن كان يحمل طابعا إنسانيا وأخلاقيا، إلا أنه لا يخلو من براغماتية دقيقة، ويضع الأسس لمنظور جديد للأمن الإقليمي القائم على التعاون بدل التناحر، وعلى الاندماج بدل القطيعة.

واعتبر أن خطاب الملك محمد السادس لا يجب أن يقرأ كفعل منفصل عن باقي عناصر العقيدة الدبلوماسية المغربية، بل كامتداد لرؤية متكاملة ترى أن استقرار الداخل لا ينفصل عن سلامة الجوار، وأن بناء القوة الوطنية يتطلب محيطا مغاربيا آمنا، لا عدوا دائما على الجبهة الشرقية.

في هذا الإطار، أكد إن دعوة الملك  للجزائر لتلتحق بركب المستقبل، قبل أن يغلق عليها قطار الجغرافيا، ويفقدها  فرصة تاريخية لإعادة تموضعها الإقليمي، جاءت في وقتها، موضحا أن الجزائر إذا اختارت  تجاهل هذا النداء، فسيكون ذلك إعلانا صريحا بانحيازها إلى منطق الجمود بدل منطق التاريخ، وستتحمل وحدها مسؤولية الفرصة الضائعة.

 

آخر الأخبار

انفجار ضخم يهز الجزائر وسط تعتيم رسمي حول أسبابه
أفادت مصادر متطابقة بوقوع انفجار عنيف هز مدينة باتنة ظهر اليوم، وأدى إلى تدمير مبنى سكني وهدم واجهات مباني مجاورة بالكامل وتحويلها إلى ركام. وأظهرت الصور الملتقطة من حي “طريق تازولت” دمارا هائلا في موقع، اذ تسببت شدة الانفجار في تحطيم زجاج المباني المجاورة على مساحات واسعة، مما أثار حالة من الذعر الشديد بين السكان. […]
كندا تعترف بمخطط الحكم الذاتي المغربي كأساس لحل النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية
أعلنت كندا عن “اعترافها بمخطط الحكم الذاتي” الذي اقترحه المغرب، “كأساس من أجل حل مقبول لدى الأطراف” للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية. وتم التعبير عن هذا الموقف في بلاغ صدر، اليوم الثلاثاء بأوتاوا، عن وزارة الشؤون الخارجية الكندية، عقب اتصال هاتفي جرى في وقت سابق بين السيدة أنيتا إنديرا أناند، وزيرة الشؤون الخارجية الكندية، والسيد […]
زيادة جديدة في جوائز مونديال أمريكا
وافق الاتحاد الدولي لكرة القدم على مناقشة الاقتراح الذي تقدمت به المنتخبات المشاركة بكأس العالم، والخاص بالزيادة في المنح المالية. وبررت المنتخبات المشاركة بكأس العالم اقتراحها بالرفع من المنح المالية، بارتفاع المصاريف بالولايات المتحدة الأمريكية، سواء الخاصة بالإقامة أو التنقل، لذلك تقدمت بطلب للرفع من قيمتها لتفادي خسائر مالية محتملة. وسيناقش الاتحاد الدولي لكرة القدم […]