مرة أخرى، يجد المغرب نفسه في قلب حملة رقمية مسعورة، تقودها وجوه مستهلكة وأقلام مأجورة، تستهدف مؤسسات الدولة ورجالاتها عبر سيل من الأخبار الزائفة والافتراءات. من “جبنوت” الى “جيراندو” وباقي جوقة المتآمرين، وعبر حملات لا تحمل أي جديد سوى تكرار نفس الأسلوب ونفس القاموس المتهالك: تشهير، افتراء، وتلفيق قصص عن “اغتيالات” و”تضييق” و”ملفات فساد” من نسج خيال، مريض وحاقد أرهقه التأمل في توالي نجاحات مغرب محمد السادس.
لكن ما الذي يجمع بين هذه الوجوه والصفحات والمواقع؟ الجواب بسيط: غرفة واحدة تحرك الخيوط، تعيد تدوير نفس الخطاب عبر واجهات مختلفة، من منصة إلى أخرى، ومن اسم لآخر، تبقى اللغة واحدة، الهجوم واحد، والتكتيكات واحدة، مجرد أدوات رخيصة في يد قلة مأزومة تخشى الإصلاح وتدافع عن مصالحها الفاسدة الموروثة من زمن مظلم.
ولنكن واضحين: ما يجري ليس نقاشا عموميا مشروعا، ولا صحافة رأي، ولا حتى فضحا للفساد كما يزعمون. ما يجري هو نسخة حديثة من الحروب الهجينة، حيث تستعمل الشائعات كسلاح لزعزعة ثقة المواطن في مؤسساته، ومحاولة ابتزاز الدولة كي تتراجع عن معركتها ضد الفساد.
بدأت اولى ارهاصات هذه الحملة المغرضة بالتجلي منذ أن لاح في الافق أمل خروج المغرب من دائرة النفوذ الاستعماري، بعد نجاح المملكة في حشد الدعم الدولي لمغربية الصحراء، ومضيها قدما في بناء نموذج اقتصادي قوي ومستقل عن الضغوطات السياسية الأجنبية، ومايرافقها من اجندات تحكمية معروفة، لطالما سعت على الحفاظ على توازنات اقتصادية ومالية تبقي مصالح المغرب رهينة في يد المزاج الخارجي.
اشتدت هذه الحملة بالتزامن مع توالي اعترافات الدول الكبرى بالسيادة المغربية المشروعة على اقاليمه الجنوبية، من خلال مزاعم “بيغاسوس” ثم “موروكو غيت” التي كان واضحا انها تستهدف مؤسسات الامن والمخابرات والجهاز الدبلوماسي، باعتبارها ركائز المغرب في تعزيز موقف الدولي في قضيته الوطنية الأولى، وترسيخ شراكاته الدولية وتحالفاته الواسعة، وقد بلغت هذه الحملات ذروتها خلال هذه السنة، وذلك بالتزامن مع اقتراب حسم المغرب لملف الصحراء المغربية.
هناك شرذمة من الفاسدين لطالما استمدت قوتها ونفوذها من بقاء المغرب رهينة للأجندات الاقليمية، وهي تعلم ان بقائها يرتبط باستمرار المغرب مقيدا بهذه الاجندات، تدرك جيدا ان أي خروج سياسي واقتصادي للمغرب من عنق الزجاجة، وتحرره من الضغوطات الدولية، سيساوي حتما الاطاحة بأوكار فسادها، لذلك فقد اشتد سعارها وتسارعت وتيرة حملاتها التي تستهدف الدولة، لمنع المواجهة، أو تأجيلها قدر الإمكان.
لقد سبق للعالم أن عرف هذا النوع من التضليل، أيام الحرب الباردة، حيث كان جهاز “شتازي” في ألمانيا الشرقية يغرق جاره الغربي بسيل من الأخبار الكاذبة لتقويض ثقة الشعب في دولته، والنتيجة فشل ذريع، لم تسقط ألمانيا الغربية، ولم تهتز مؤسساتها، ولكن الذي سقط هو “شتازي” ومعه جدار برلين.
واليوم، واهم من يظن أن المغرب سيسقط أمام حملات مرتزقة رقمية، فالدولة ليست هشة، بل راسخة بمؤسساتها، بمشروعية نظامها الملكي، وبمشروعه الإصلاحي، وبثقة شعبه، والشرذمة التي تحرك هذه الحرب القذرة لا تملك سوى أن تملأ الفضاء الافتراضي بالسموم، في الوقت الذي تأكدت من عجزها عن تغيير واقع “أمة” تتقدم بخطى ثابتة.
إن ما يحدث اليوم يكشف شيئا واحدا: عندما يشتد الإصلاح، يشتد عواء المستفيدين من الفساد، وكلما اقتربت يد الدولة من مصالحهم، كلما ارتفع منسوب الكذب والتشويه، وهذه الشرذمة التي تخوض حربها “الدونكيشوتية” الاخيرة ضد مؤسسات الدولة ورجالتها، رافعة لواء محاربة الفساد، تذكروا جيدا أنها هي أكبر وكر للفساد. الأيام بيننا، والزمن فضاح، سواء “جبنوت” أو “جيراندو” وكل من يدور في فلك التآمر والخيانة، ومن يحركهم كالدمى من وراء ستار حماية للفساد، كل منهم ستطارده فضائح مدوية كاللص الممسوك متلبسا بجرمه المشهود وسط السوق، وما أروع من تكفل عقارب الساعة في كشف اقنعة الورع الزائف عن وجوه الفساد الحقيقي.
