التلبس بين الشريعة والقانون في جرائم الفساد

بواسطة الأحد 31 أغسطس, 2025 - 19:28

القضية التي شغلت الرأي العام المغربي خلال الأيام الأخيرة، والمتعلقة بضبط حالة خيانة زوجية كان أحد أطرافها شخصية معروفة في عالم المؤثرين على شبكات التواصل الاجتماعي، لم تكن مجرد فضيحة عابرة أو مادة للإثارة الإعلامية. بل أعادت إلى الواجهة نقاشًا قانونيًا قديمًا حول مدى انسجام نصوص القانون الجنائي المغربي مع المرجعية الإسلامية التي يعلن الدستور المغربي نفسه التشبث بها. وإذا كانت الخيانة الزوجية تثير الانتباه أكثر بسبب عنصر الزواج الذي يضفي عليها طابعًا صادمًا، فإنها في حقيقتها ليست سوى فرع من جريمة أصلية هي جريمة “الفساد”، أي العلاقة الجنسية الكاملة بين رجل وامرأة لا تربط بينهما أي علاقة زوجية شرعية. فالخيانة في جوهرها فساد، لكنها فساد مقترن بظرف مشدد يتمثل في كون أحد الطرفين مرتبطًا بعقد زواج. لذلك، فإن النقاش الجاد ينبغي أن يتركز على جريمة الفساد باعتبارها الأصل، فهي المنطلق الذي يُبنى عليه كل ما يأتي بعده.

أصل التجريم بين الشريعة والقانون

المشرع المغربي، في الفصل 490 من القانون الجنائي، نص بوضوح على أن “كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة زواج تعتبر فسادًا ويعاقب عليها بالحبس من شهر إلى سنة.” وهو نص صريح لا يترك مجالًا للبس، ويكشف أن المشرع لم يخترع جريمة جديدة من فراغ، وإنما استلهم مباشرة أحكام الشريعة الإسلامية التي جرّمت الزنا وعدّته من الكبائر. فالزنا في الفقه الإسلامي، وخصوصًا في المذهب المالكي المعتمد في المغرب، يُعرّف بأنه حصول الجماع بين رجل وامرأة دون وجود عقد زواج شرعي يربط بينهما. وهو نفس مضمون النص القانوني تمامًا.

هذه المطابقة ليست مصادفة، بل تعبير عن انسجام المنظومة القانونية المغربية مع الثوابت الدينية للدولة، حيث نص الدستور في ديباجته على أن المغرب “دولة إسلامية” وأن الإسلام يشكل أحد ثوابته الراسخة. فالتجريم القانوني للفساد يجد أساسه في التحريم الشرعي للزنا. ويكفي أن نستحضر الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]، التي لم تكتف بالنهي عن الزنا بل حتى عن مقاربته، دلالة على خطورته.

لكن السؤال الأهم: إذا كان القانون قد استمد التجريم من الشريعة، فهل اعتمد نفس المصدر في الإثبات؟

الإثبات في الشريعة الإسلامية: صرامة مقصودة

الشريعة الإسلامية، بما أنها تدرك حساسية المساس بسمعة الأفراد وأعراضهم، لم تكتف بالنص على أن الزنا حرام، بل جعلت إثباته بالغ الصعوبة. والهدف هنا ليس التساهل مع الجريمة، وإنما حماية الناس من القذف والاتهام الباطل. لذلك اشترط القرآن شهادة أربعة شهود عدول يعاينون الفعل الجنسي نفسه عيانًا، لا مجرد الخلوة أو المظاهر. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4].

كما أن السنة النبوية أكدت هذا المنهج. فعندما جاء ماعز بن مالك يعترف للرسول ﷺ بالزنا، لم يكتف النبي باعتراف واحد، بل أعاد عليه السؤال أكثر من مرة، وبألفاظ مباشرة للتأكد من حصول الجماع فعلًا، حيث قال له: «أنكتها؟» أي هل حصل الإدخال؟ (رواه البخاري ومسلم). وهذه الصرامة تعكس وعيًا بخطورة العقوبة وخطورة التهمة في آن واحد.

أما الفقهاء، فشرحوا هذه المعايير بلغة دقيقة. ففي الفقه المالكي مثلًا، يقرر الإمام الدردير في الشرح الكبير (ج1، ص174) أن الجماع لا يثبت إلا إذا تحقق الإيلاج الكامل، وعبّر عن ذلك بالقول: «حتى لا يمر الخيط بينهما». أي أنه لا يكفي مجرد العناق أو التقبيل أو الخلوة أو أي وضعية أخرى، بل لا بد من تحقق العلاقة الجنسية الكاملة.

هكذا نرى أن الشريعة وضعت سقفًا عاليًا جدًا للإثبات، حتى أصبح الزنا جريمة “شبه مستحيلة الإثبات” إلا في حالات العلانية أو الاعتراف. وهذا التشدد مقصود، لأنه يحمي المجتمع من أن تتحول الأعراض إلى مجال مفتوح للشبهات والاتهامات.

الإثبات في القانون المغربي: مقاربة مختلفة

في المقابل، القانون المغربي لم يلتزم بنفس هذه الصرامة. فالفصل 493 من مجموعة القانون الجنائي يفتح باب الإثبات بوسائل أوسع بكثير، إذ ينص على أنه يمكن إثبات الفساد أو الخيانة الزوجية إما بمحضر الضابطة القضائية في حالة التلبس، أو بالاعتراف الصريح، أو بالرسائل والأوراق الصادرة عن المتهم، أو بشهادة الشهود.

الفارق هنا واضح: الشريعة حصرت الإثبات في طرق محددة وضيقة للغاية، بينما القانون تبنى مقاربة وضعية تسمح بمرونة أكبر للنيابة العامة والقضاء. وهو ما يطرح إشكال الانسجام: إذا كان أصل الجريمة مستمدًا من الشريعة، فلماذا لا يُستمد الإثبات منها أيضًا؟

مفهوم التلبس وإسقاط الفصل 56 على الفساد

مفهوم “التلبس” يُعدّ أهم وسيلة عملية تعتمدها الضابطة القضائية لإثبات جريمة الفساد. والفصل 56 من قانون المسطرة الجنائية عرّف حالة التلبس بأربع صور: أن تُعاين الجريمة وهي تقع، أو أن يُضبط الفاعل مباشرة بعدها ببرهة يسيرة، أو أن يُتبع بالصياح، أو أن يوجد بعد وقت قريب حاملًا لآثار أو أدوات الجريمة.

وعندما نحاول إسقاط هذه الحالات على جريمة الفساد، نكتشف صعوبة حقيقية:

•فالمعاينة المباشرة لا تتحقق إلا إذا ضُبط الرجل والمرأة في وضع لا يترك مجالًا للشك، أي الحالة التي عبّر عنها الفقهاء قديمًا بقولهم «حتى لا يمر الخيط بينهما». وهذا أمر نادر جدًا عمليًا، لأن هذه الأفعال تجري عادة في الخفاء لا في العلن.

•أما “البرهة اليسيرة بعد ارتكابها”، فلا يمكن أن تثبت إلا بوجود أدلة مادية قاطعة مثل العثور على سائل منوي أو عازل طبي أو مناديل ملطخة أو تقرير خبرة طبية يثبت حصول المعاشرة لتوه. وهذه وسائل نادرة التحقق ومعقدة في الإثبات.

•حالة “تبع العامة بالصياح” ليست سوى صورة حديثة لما نص عليه القرآن من شهادة الجماعة، أي صورة الأربعة شهود الذين يعاينون الفعل عيانًا. وهو أمر بدوره نادر الحدوث في زمننا إلا في حالات استثنائية.

•أما وجود الفاعل حاملًا لآثار الجريمة، فحتى لو وُجد شخص وامرأة في شقة أو فندق أو مكان مغلق، فهذا لا يكفي وحده لإثبات الفساد، إلا إذا اقترن بقرائن أخرى قوية أو اعتراف صريح.

من هنا تظهر المفارقة الكبرى: ما يعتبره القانون اليوم “تلبسًا” قد لا يرقى إلى مستوى الدليل القطعي الذي تطلبه الشريعة. وبالتالي، قد نجد أنفسنا أمام متابعة جنائية استنادًا إلى مجرد مظاهر أو محاضر، في حين أن المرجعية الشرعية شددت على ضرورة الدليل اليقيني.

المفارقة بين التجريم والإثبات

المفارقة إذن واضحة: القانون الجنائي المغربي استند إلى الشريعة الإسلامية في التجريم، لكنه لم يلتزم بنفس المرجعية في الإثبات. وهكذا نجد أنفسنا أمام وضعية هجينة: الجريمة إسلامية المصدر، لكن الإثبات وضعي الهوية. والنتيجة أن مواطنين قد يتابعون في قضايا فساد استنادًا إلى قرائن أو محاضر لا تصل إلى درجة القطع واليقين، في حين أن الشريعة التي أوجبت العقوبة شددت في الإثبات لتفادي الظلم وصيانة الأعراض.

الحاجة إلى مراجعة قانونية

النقاش الدائر اليوم في المجتمع لا يجب أن يتوقف عند السؤال السطحي: هل نجرّم العلاقات الجنسية خارج الزواج أم لا؟ فهذا الأمر محسوم بحكم الدستور الذي يجعل الإسلام أحد ثوابت الدولة، وبحكم القانون الذي ترجم ذلك إلى نصوص زجرية. بل السؤال الأعمق هو: إذا كنا نستند إلى الشريعة في تجريم الفساد، فلماذا لا نستند إليها في إثباته؟ وكيف نقبل أن يكون مصدر الجريمة هو الشريعة، بينما مصدر الإثبات هو قواعد وضعية أقل صرامة؟

آخر الأخبار

ثورة "السكك"..هذه تفاصيل تقدم أشغال "البراق" بين القنيطرة ومراكش
تسير أشغال إنجاز الخط الجديد للقطار فائق السرعة الرابط بين القنيطرة ومراكش تقدما ملحوظا وفق الأجندة المحددة. يتعلق الأمر بمشروع سككي ضخم وتاريخي، كان قد أعطى انطلاقته جلالة الملك محمد السادس قبل سنة من الآن، فيما يواصل المكتب الوطني للسكك الحديدية بفعالية تنزيل هذا الورش الاستراتيجي، الذي رصد له غلاف استثماري يصل ل96 مليار درهم. […]
كتاب "نحن أمة" .. طارق وبياض يتناولان إشكلات السرد الوطني
سلط الباحثين المغربيين حسن طارق، والطيب بياض، الضوء على إشكالات السرد الوطني من خلال عمل مشترك تحت عنوان “نحن أمة: السرد الوطني،سؤال المنهج وعتبات الفهم”. وأعلنت منشورات باب الحكمة أن هذا الكتاب يأتي في سياق فكري وثقافي يتسم بتجدد الأسئلة حول معنى “الأمة” وحدود تمثلاتها، حيث يعيد العمل المشترك مساءلة السرد الوطني باعتباره بناء تاريخي […]
الكشف عن ملاعب كأس إفريقيا لأقل من 17 سنة بالمغرب
كشفت الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، عن الملاعب التي ستحتضن نهائيات كأس أمم إفريقيا لأقل من 17 سنة، المقررة ما بين 13 ماي إلى غاية 2 يونيو القادمين. وستقام جل مباريات كأس إفريقيا لأقل من 17 سنة، بمركب محمد السادس لكرة القدم. ويحتضن ملعب مولاي الحسن بالرباط المباراة الافتتاحية ومواجهتي نصف النهائي والنهائي. وكانت القرعة قد […]