حين يتحوّل الميكروفون إلى غاية… من يحمي أخلاقيات الصحافة في المغرب؟

بواسطة الأحد 11 أكتوبر, 2026 - 18:48

د. محمد العلمي: باحث في التواصل والإعلام والثقافة

ما شاهدناه خلال افتتاح الدورة التشريعية بالبرلمان المغربي يطرح أكثر من علامة استفهام حول واقع الممارسة الصحافية في بلادنا.

تهافت عشرات الميكروفونات على البرلمانيين لانتزاع تصريحات سريعة بشأن قراءاتهم للخطاب الملكي، في مشهد بدا أقرب إلى سباق محموم منه إلى عمل صحافي رصين. ليس في الأمر سبق صحافي بالضرورة، ولا إضافة نوعية للنقاش العمومي، بقدر ما هو استعراض للحضور أمام الكاميرا، وكأن مجرد تسجيل تصريح عابر أصبح غاية في حد ذاته.

ولم يعد الأمر مقتصرا على ذلك؛ فقد امتلأت المنصات الرقمية بمقاطع من قبيل: «وصول البرلماني فلان عن الحزب الفلاني»، و«برلمانيات جميلات يحضرن افتتاح الدورة التشريعية»! وهنا يحق لنا أن نتساءل: أين القيمة الإخبارية؟ وأين التحليل؟ وأين احترام ذكاء المتلقي؟

عشرات الميكروفونات تحاصر البرلمانيين، وأسئلة مرتبكة، وتصوير يفتقر أحيانا إلى أبسط الشروط التقنية، ومحتوى لا يرقى إلى أهمية الحدث. وفي المقابل، يبدو أن الصحافة المهنية الجادة، التي تشتغل بالتحليل والتحقيق والتفسير، قد أصبحت أقل ظهورا وسط هذا الضجيج، وكأن الرداءة باتت أكثر قدرة على لفت الانتباه من الجودة.

المشكلة ليست في كثرة الصحافيين، بل في غياب معايير الجودة والمساءلة المهنية لدى بعض الممارسين والمنابر. فالمهنة لا تُقاس بعدد الميكروفونات، ولا بسرعة نشر الفيديوهات، ولا بعدد المشاهدات، وإنما بعمق السؤال، ودقة المعلومة، واحترام أخلاقيات العمل الصحافي، والقدرة على تقديم قيمة مضافة للمجتمع.

وتزداد خطورة الوضع حين تُثار، في سياقات انتخابية، اتهامات بممارسات ابتزازية أو مساومات غير مهنية منسوبة إلى بعض المنابر والأفراد. وهي ممارسات، متى ثبتت، تستوجب المساءلة والمحاسبة وفق القانون، لأنها لا تسيء إلى أصحابها وحدهم، بل تضرب ثقة المواطنين في الإعلام برمته.

ولا يقتصر هذا الخلل على المجال السياسي؛ ففي المهرجانات والتظاهرات الفنية، يتكرر المشهد نفسه: ميكروفون وهاتف محمول، وأسئلة تُوجَّه إلى الفنانين في الكواليس أو عند الصعود إلى المنصة، تنشغل أحيانا بحياتهم الشخصية ومشكلاتهم الخاصة، بدل أعمالهم الفنية وتجاربهم الإبداعية، وما تحمله من أبعاد ثقافية وجمالية وقيمية. وكأن الفنان لم يعد مطلوبا منه سوى صناعة لحظة مثيرة تصلح للتداول الرقمي.

بل إن الأمر قد يصل، في بعض الحالات، إلى اقتحام حرمة الجنائز واستغلال لحظات الحزن والفقد بحثًا عن صورة أو تصريح أو مشهد قابل للنشر، في تجاهل مؤسف لكرامة الإنسان وحق الأسر في الحداد بكرامة وخصوصية.

إننا لا ندعو إلى التضييق على الصحافة، ولا إلى مصادرة حق الصحافيين في السؤال والنقد والمساءلة، بل ندافع عن صحافة قوية، حرة، مسؤولة، تحترم مهنتها وجمهورها وموضوع اشتغالها. فالحرية الصحافية لا تعني غياب الضوابط الأخلاقية، كما أن الاستقلالية لا تعني التحرر من المسؤولية.

لهذا، أصبح من الضروري أن تتحمل المؤسسات المعنية مسؤوليتها: المجلس الوطني للصحافة، وهيئات الناشرين، وقطاع الاتصال، ومؤسسات التكوين الصحافي، وسائر الهيئات المهنية، كلٌّ من موقعه واختصاصه، من خلال ترسيخ أخلاقيات المهنة، وتحسين التكوين، وتعزيز آليات الشكايات والمساءلة، والتصدي للممارسات المسيئة وفق القانون.

فليس كل من حمل ميكروفونًا صحافيًا بالمعنى المهني للكلمة، وليس كل ما يُصوَّر يستحق النشر، وليس كل ما يحصد المشاهدات يضيف شيئًا إلى الوعي العام.

لقد هزلت حين أصبح الضجيج ينافس المعلومة، والاستعراض ينافس المهنية، والإثارة تزاحم الثقافة والتحليل.

إن الدفاع عن كرامة الصحافة يبدأ بالدفاع عن أخلاقياتها. فهل نعيد الاعتبار للمهنة، أم نترك الميكروفونات تتكاثر بينما تتراجع الرسالة؟

آخر الأخبار

سيول وادي تيفليت بزاكورة تجرف سيارة تقل ثلاثة أجانب.. وتدخل ناجح لإنقاذهم
شهد وادي تيفليت بمنطقة آيت ساون، التابعة لقيادة تنسيفت بمنطقة أكدز بإقليم زاكورة، حادث خطير بعدما جرفت السيول سيارة كانت تقل ثلاثة أجانب، قبل أن تتمكن السلطات المحلية ومصالح الإنقاذ، بمساعدة عدد من أبناء المنطقة، من إنقاذهم. وحسب مصادر من المنطقة فقد استنفرت الواقعة مختلف المتدخلين، حيث جرت عملية الإنقاذ تحت إشراف قائد قيادة تانسيفت، […]
من بينها شواهد ماستر أوروبية..إطلاق مسارات للتكوين المنجمي لسد احتياجات المقاولات
وقعت الفيدرالية الأوروبية للمدارس (FEDE) وفيدرالية الصناعة المعدنية (FDIM) ومدرسة “iTechBTP” اتفاقية شراكة بالرباط، تهدف إلى ملاءمة التكوين في المهن المنجمية مع احتياجات المقاولات. توقيع هذه الاتفاقية جرى بمناسبة المؤتمر الدولي الثالث للمناجم، الذي انعقد بالعاصمة الرباط من 6 إلى 8 أكتوبر الجاري، من طرف كلود فيفيي لو غو، رئيسة الفيدرالية الأوروبية للمدارس، ومحمد شراط، […]
الوداد يستعيد غنيمي والرشدان ضد الكوديم ويفتقد خدمات 4 لاعبين
يستعيد فريق الوداد الرياضي لكرة القدم خدمات حارسه رشيد غنيمي خلال مواجهته أمام النادي المكناسي اليوم الأحد بالمركب الرياضي محمد الخامس برسم الجولة الثالثة من البطولة الاحترافية، بعد تعافيه من الإصابة التي أبعدته عن عن مبارتي وداد تمارة والدفاع الجديدي. وشهدت قائمة الفريق الأحمر أيضا عودة اللاعب الأردني نزار الرشدان، عقب انتهاء مشاركته في فترة […]