من رئاسة مجلس مدينة مراكش إلى قيادة الحكومة، تقطع فاطمة الزهراء المنصوري مسارا سياسيا امتد قرابة عقدين، جمع بين المحاماة والتدبير المحلي والعمل البرلماني والقيادة الحزبية والمسؤولية الوزارية. وفي 29 شتنبر 2026، دخل هذا المسار محطة جديدة بتعيينها من طرف الملك محمد السادس رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، وفق البلاغ الرسمي الذي صدر اليوم.
لم تكن مراكش بالنسبة إلى فاطمة الزهراء المنصوري مجرد مدينة الميلاد. فيها ولدت يوم 3 يناير 1976، ومنها دخلت إلى الحياة المهنية والسياسية، وفيها خاضت واحدا من أهم اختبارات مسارها عندما تولت تدبير واحدة من أكبر المدن المغربية وأكثرها حضورا على الصعيد الدولي. وبين مراكش والرباط، ستبني المنصوري بالتدريج مسارا جعل اسمها حاضرا في أكثر من واجهة، قبل أن يصل بها اليوم إلى رئاسة الحكومة.
القانون أولا
قبل السياسة، كان القانون. حصلت المنصوري على الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط، ودرست القانون الأنغلوساكسوني بجامعة بايس الأمريكية، كما حصلت على دبلوم الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه الفرنسية. وفي مارس 2005، التحقت بهيئة المحامين بمراكش، متخصصة في القانون العقاري.
هذا التكوين القانوني سيظل حاضرا في مسار اختارت صاحبته أن تدخل السياسة من بوابة محلية. سنة 2007 التحقت بحركة لكل الديمقراطيين، ثم كانت سنة 2008 من الأعضاء المؤسسين لحزب الأصالة والمعاصرة. وبعد عام واحد فقط، ستجد نفسها أمام أول اختبار كبير عندما تولت رئاسة المجلس الجماعي لمراكش.
كان ذلك انتقالا سريعا من المحاماة إلى تدبير مدينة بثقل مراكش، بتعقيداتها العمرانية والاجتماعية والاقتصادية والسياحية. واستمرت تجربتها الأولى على رأس المجلس بين 2009 و2015، قبل أن تعود، بعد ست سنوات، إلى رئاسة المدينة سنة 2021.
وإذا كانت السياسة الوطنية تصنع جزءا كبيرا من السياسيين داخل مقرات الأحزاب والبرلمان، فإن تجربة المنصوري أضافت إليها الاحتكاك اليومي بالتدبير المحلي؛ حيث القرارات تصبح طرقا ونقلا ونظافة وتعميرا واستثمارات وخدمات، وحيث يكون المنتخب في مواجهة مباشرة مع انتظارات السكان.
صعود سياسي
بالتوازي مع مراكش، اتسعت دائرة حضور المنصوري. انتخبت نائبة برلمانية خلال الفترة الممتدة من 2011 إلى 2016، ثم عادت إلى مجلس النواب بين 2016 و2021. وداخل حزب الأصالة والمعاصرة، تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، قبل أن تصل سنة 2024 إلى موقع منسقة القيادة الجماعية.
وتكتسب هذه المحطة دلالة خاصة في قراءة مسارها؛ فقد انتقلت من تدبير المدينة إلى البرلمان، ومن العمل داخل أجهزة الحزب إلى أحد أعلى مواقع قيادته، في تجربة جمعت مستويات مختلفة من الممارسة السياسية.
وكان اسمها قد بدأ يلفت الانتباه خارج المغرب أيضا في مرحلة مبكرة من مسارها، إذ تشير سيرتها إلى اختيارها سنة 2014 ضمن شخصيات نسائية إفريقية شابة مؤثرة، وكذلك ضمن القادة الشباب العالميين. كما انخرطت في شبكات مرتبطة بتدبير المدن والجماعات المحلية.
غير أن الانتقال الأكبر في مسارها سيأتي سنة 2021، عندما انتقلت من التدبير المحلي والحزبي والبرلماني إلى المسؤولية الحكومية، بتولي حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.
اختبار الحكومة
وضعت الوزارة المنصوري أمام ملفات تمس الحياة اليومية للمغاربة مباشرة: السكن، التعمير، المدن، العالم القروي، إعداد التراب، ثم ورش إعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز.
وفي قطاع السكن تحديدا، ارتبطت المرحلة بإطلاق نموذج الدعم المباشر للسكن. وبحلول نونبر 2025، أعلنت المنصوري أمام البرلمان أن عدد المستفيدين وصل إلى 75 ألفا و760 شخصا، بالتوازي مع تقدم عملية إعادة بناء المساكن المتضررة من زلزال الحوز، حيث بلغ عدد المنازل التي انتهت إعادة بنائها 53 ألفا و648 منزلا إلى حدود 10 نونبر من السنة نفسها.
كما امتد عمل الوزارة إلى المراكز القروية وقضايا التعمير خارج المدن الكبرى، فيما ظلت المنصوري في الوقت نفسه على رأس المجلس الجماعي لمراكش، وهو ما جعل تجربتها خلال السنوات الأخيرة تجمع بين تدبير المجال من موقع حكومي وتدبير مدينة كبرى من موقع منتخب محلي.
وهذه التجربة الحكومية هي المحطة الأخيرة قبل انتقالها، اليوم، من مسؤولية قطاع وزاري إلى مسؤولية قيادة الجهاز التنفيذي بكامله.
