قِراءة في تَناقضات سردية “حجاوي” وإفلاس الصحافة الفرنسية

بواسطة الأربعاء 9 سبتمبر, 2026 - 10:41

لم يعد الاستهداف الإعلامي للمملكة المغربية ومؤسساتها السيادية مجرد حالات معزولة أو أخطاء مهنية عابرة، بل تحول إلى نهج تحريري متكامل وممنهج، يعكس أزمة عميقة في التعاطي مع مغرب اليوم، إذا لم نقل أنه يترجم رغبة دفينة في “ترويض” هذا البلد الذي أضحى يتقدم بثبات ليتبوأ مكانة جيواستراتيجية مهمة مطبوعة بسيادة قراره السياسي والأمني.

ولعل المقال الأخير الذي نشرته أسبوعية “Le Canard enchaîné” الفرنسية حول المدعو “المهدي حجاوي” يمثل نموذجاً صارخاً لهذا التهافت. ففي سعيها الأعمى للنيل من صورة المغرب، تخلت الصحيفة عن أبجديات العمل الاستقصائي الرصين، لترتمي في أحضان سردية مهلهلة مليئة بالتناقضات، تعتمد على ترهات وخيالات شخصية فقدت مصداقيتها منذ زمن.

ومن خلال تفكيك مضامين هذا المقال، يبرز بوضوح حجم العجز الفرنسي في فهم الديناميات المؤسساتية المغربية، واللجوء اليائس إلى “تدوير” الإشاعات.

وهم “الجاسوس الخارق” وصناعة المصادر المفبركة

يبدأ مقال “Le Canard enchaîné” ببناء هالة أسطورية حول مصدره الأساسي، المهدي حجاوي، واصفاً إياه بـ”الرئيس السابق للجواسيس الذي يجعل التاج المغربي يرتجف”، وهذا التضخيم الدرامي يُعد أولى سقطات السردية الفرنسية، فكيف لشخص يُزعم أنه كان يشغل منصباً حساساً في المديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED) أن تكون كل “أسراره” مجرد تجميع لقصص مستهلكة سبق تداولها في منصات التواصل الاجتماعي ومواقع المعارضة الراديكالية (الطابور الخامس)؟

والصحافة الفرنسية، في سعيها لخلق “بطل” معارض، تتجاهل عمداً السجل الجنائي والخلفية الحقيقية لمصادرها، حيث تشير التقارير إلى تورط أمثال هؤلاء في قضايا نصب واحتيال، حيث إن تقديم شخص هارب، يبحث عن تسوية وضعية لجوء عبر بيع الوهم، على أنه “خزان أسرار يهدد الدولة”، يعكس إفلاساً في معايير التحقق الصحفي.

فلو كان حجاوي يمتلك حقاً معلومات استخباراتية ذات قيمة، لما احتاجت الصحيفة إلى حشو مقالها بقصص قديمة وشخصيات مستهلكة لا رابط منطقي بينها، أو لكانت على الأقل حصلت على قصة جديدة أو سبق صحفي يحمل جديدا في الرواية الصحفية المستهلكة.

أسطورة “غوانتانامو تمارة” وعبثية ملف زكرياء المومني

تصل تناقضات المقال إلى ذروتها الكوميدية حين يتطرق لملف النصاب زكرياء المومني. فالرواية الفرنسية، نقلاً عن حجاوي، تدعي أن المومني، الذي طالب بتدخل عاهل البلاد للحصول على منصب مالي، تم اعتقاله وتعذيبه في “مركز سري تابع للمخابرات المركزية الأمريكية (CIA) في تمارة يُستخدم كملحق لغوانتانامو”.

هذا الادعاء يمثل إهانة لذكاء القارئ وتناقضاً صارخاً مع المنطق الجيوسياسي. فمراكز الاستنطاق السرية التابعة لـ CIA، والتي ارتبطت بسياق ما بعد أحداث 11 سبتمبر، كانت مخصصة لقيادات تنظيم القاعدة وكبار الإرهابيين الدوليين.

فكيف تدعي الصحيفة، بناءً على ترهات حجاوي، أن الاستخبارات المغربية والأمريكية سخرت منشأة بهذا الحجم وهذا المستوى من السرية لاعتقال ملاكم هاوي ونكرة، كل جريمته أنه كان يبتز الدولة بطلبات توظيف ريعية، في استغباء فاضح لذكاء القارئ الفرنسي قبل المغربي.

إن إقحام اسم السيد عبد اللطيف حموشي في هذه القصة الهوليودية المفتعلة يبرز الهدف الحقيقي للمقال: وهو محاولة يائسة لاستهداف شخصية أمنية مغربية تحظى باحترام واعتراف دولي واسع بكفاءتها في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وذلك عبر إلصاق اسمها بقصص تعذيب خيالية لا تستند إلى أي دليل مادي.

جهل هيكلة الدولة وتلفيق “صراعات القصور”

وفي محاولة رخيصة لإضفاء طابع “الإثارة السياسية” على المقال، لجأت الصحيفة الفرنسية إلى معجم استشراقي عفا عليه الزمن، فهي تصف مستشار الملك، السيد فؤاد عالي الهمة، بـ “نائب الملك” (Vice-roi)، وتطلق على السيد عبد اللطيف حموشي لقب “رئيس شرطة المملكة” (chef des polices du royaume)، حيث أن هذا الاستخدام الذي يبدو بريئا من الوهلة الأولى للمصطلحات الفضفاضة، يكشف نظرة قاصرة لتنظيم الدولة في المغرب، ثم عن جهل مدقع -أو تجاهل متعمد- لطبيعة المؤسسات الدستورية والقانونية في المغرب الحديث، حيث تخضع الأجهزة الأمنية والاستشارية لتراتبية مؤسساتية واضحة ومحددة الصلاحيات، وليس لنظام إقطاعي كما تحاول الصحافة الفرنسية تصويره.

وما يزيد من هشاشة هذه السردية هو التبرير الذي ساقه حجاوي لـ”سقوطه”، فادعاؤه بأنه راهن على الحصان الخاسر في عام 2021 بإعلان دعمه لـ”الإخوة زعيتر”، مما جلب عليه غضب قيادات الدولة، يمثل قمة العبث. كيف يمكن لـ”مسؤول استخباراتي رفيع” أن يربط مصيره المهني وعلاقاته داخل جهاز حساس بصراع وهمي مع شخصيات استعراضية لا تملك أي وزن مؤسساتي؟

العمى الاستراتيجي وعقدة النجاح المغربي

إن الاستغلال الأعمى لقصص المهدي حجاوي من طرف “Le Canard enchaîné” لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع للأزمة الصامتة التي تعيشها النخب الإعلامية الفرنسية تجاه المغرب، فهذا العجز الإعلامي هو في الحقيقة انعكاس لعمى استراتيجي فرنسي يرفض تقبل استقلالية القرار المغربي، ونجاح المملكة في تنويع شراكاتها، وقوة أجهزتها الأمنية التي باتت تصدر خبراتها لدول كبرى.

وعوض أن تقوم الصحافة الفرنسية بتقديم قراءات موضوعية للتحولات الجيوسياسية في المنطقة، اختارت الطريق السهل: وهو تحويل صفحاتها إلى منصات لتصفية الحسابات عبر تبني أصوات محبطة، لمرتزقة، أو لهاربين من العدالة.

إن محاولة شيطنة المؤسسات المغربية عبر أساطير مثل “ملحق غوانتانامو” أو صراعات وهمية حول النفوذ، لم تعد تقنع أحداً، بل أصبحت تؤكد شيئاً واحداً: السردية الفرنسية ضد المغرب استنفدت كل أوراقها، وباتت تقتات على ترهات لا تصمد أمام أبسط قواعد العقل والمنطق، وهي اليوم في أمس الحاجة إلى رؤية جديدة للمغرب، إذا لم ترد فعلا أن تفقد آخر حليف استراتيجي يمكن الوثوق به في منطقة إفريقيا والشرق الأوسط.

آخر الأخبار

استفاد منها 22 ألف طالب.. السغروشني تستعرض حصيلة المسالك الرقمية
شددت وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة،  أمل الفلاح السغروشني، على أهمية تطوير الرأسمال البشري ضمن خارطة طريق «المغرب للذكاء الاصطناعي 2030» التي استعرضتها يوم الثلاثاء 8 شتنبر بالرباط، وذلك عبر اعتماد التكوين الأساسي، والتكوين الإشهادي، ورفع الكفاءات، ودعم البحث العلمي، إلى جانب تأطير الأطفال والشباب. وتأتي هذه الخطوة في سياق تحول الاستراتيجية الوطنية في مجال […]
وزارة التربية الوطنية ترد على نتائج "بيزا" .. التقييم يخص جيل المنظومة السابقة ويؤكد الحاجة لمؤسسات الريادة
سارعت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، للتعليق على نتائج البرنامج الدولي  لتقييم التلاميذ” بيزا ” (PISA)، الذي سجل تراجعا كبيرا في مستوى تلاميذ المغرب البالغين من العمر 15 سنة في مجالات الرياضيات، والثقافة العلمية، والفهم القرائي، ما جعلهم يحتلون  المرتبة 83 من أصل 91 دولة، بعد أن كانت الوعود الحكومية السابقة تتحدث عن تقدم […]
الحسيمة: النيابة العامة تكشف تفاصيل مواجهة مسلحة مع مطلوب خطير أسفرت عن وفاة شرطي بطلق ناري وإصابة دركيين
افاد بلاغ للوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالحسيمة، أنه في إطار تفعيل المقتضى الدستوري المتعلق بالحق في المعلومة، وحرصا من النيابة العامة على اطلاع الرأي العام بالمعطيات المتعلقة ببعض القضايا التي تكون محل اهتمام أو تداول اعلامي. يعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالحسيمة أنه: بتاريخ 07 شتنبر 2026، وفي إطار محاربة الجريمة […]