الصحافي مبارك لمرابط ينعي صديقه القديم: مات جمال الجميل

بواسطة الإثنين 10 أغسطس, 2026 - 13:28

مات جمال. مات جمال الجميل. ما أوجعك من عبارة.. مات جمال وأخذ مني معه ما أخذ. كان صاحبي.. كان رفيقي.. كان نديمي.. اشتبكنا مع السنين طويلا.. ونسجنا معا مساءات لا نهائية من النقاشات والأحاديث عن الفكر والأدب والصحافة وأمور الحياة البسيطة في غناه، والغنية جدا ببساطتها..

كان أيضا معلما لي. فأنا الذي كنت أظن أنني استطعت تكوين رصيد معرفي وراكمت من القراءات ما راكمت، اكتشفت حين تعرفت على جمال، وجالست جمال، وسهرت مع جمال، أن ما كنت أتوهمه رصيدا “محترما” كان مجرد مقدمات.. مجرد نتف.. مجرد “مختارات” أمام ما كان يبهرني به من معارف، وما راكمه من النصوص المرجعية في الأدب والفلسفة والتصوف ومن معرفة بالسينما والموسيقى.. كنتَ تتمتع بقدرة مبهرة على العيش في رحاب النصوص التراثية والسفر فيما بينها وبين أعلامها، ثم الانتقال بسلاسة عبر القرون لتتحدث عن فكر جوليا كريستيفا ومعاصريها من المفكرين الفرنسيين (رولاند بارث.. جاك لاكان.. جاك دريدا..الخ) وعن تحليلات ماركس ولينين وغيرهم…

وأنا عائد إلى البيت بعد الانتهاء من مراسيم الدفن، وتوديع إخوتك وأخواتك وأصهارك، عاد ذلك اليوم الذي صار الآن موغلا في ليل السنين، ليطفو على سطح الذاكرة (هل كان يوم الاثنين؟). كنا ننتظر، في تلك القاعة الصغيرة القليلة الأثاث بالمقر الجديد لصحيفة “الأحداث المغربية”، دوْرَنا لاجتياز الاختبار الشفوي بعد أن تجاوزنا عقبة الامتحان الكتابي بنجاح. يومها تبادلنا كلمات قليلة.. خجولة نحاول أن نداري بها توترنا ونحن على بعد خطوة واحدة من الحصول على أول عمل “رسمي” لنا.

بعدها بأيام معدودة، التقينا مجددا في القاعة ذاتها، لننطلق في نسج مسار ومصير مشترك داخل “الأحداث المغربية” وعالم الصحافة.. مسار لم يخل من لحظات فرح صادق، كما لم تنقصه الخيبات المريرة. واكتشفت حقا من يتوارى خلف تلك الملامح الخجولة.. كائن مثقل بالنصوص، مشغول بالفكر، مهموم بالنفاذ إلى عمق الأعمال الفكرية والإبداعية.

معك اكتشفتُ أن بن عربي، الذي حاولت أنا تَلَمُّسَ طريقي في نصوصه من باب التفاخر وما تيسر من ادعاء، شخص باهت شاحب أمام “الشيخ الأكبر” الذي كنت أنت تحلق في كتاباته وتعرفها ربما أكثر مما يعرفها هو نفسه. معك ومن خلالك شعرت أنني قرأت “الفتوحات المكية” من فرط ما حدثتني عنها، حديث العارف ليس فقط بكل حرف منها.. بل حديث المستبطن لسرائرها التي لا تمنح نفسها إلا بالمجاهدة.. وكنت صاحبها.

وكنت تعرف كيف تمزج بين النصوص الفكرية والإبداعية العربية، قديمها وحديثها، والفكر الغربي بدقة كيمائي ومهارته.. كنت كميائيا بارعا تخلطها وتخرج منها جواهر فكرية نادرة مشعة تعكس قدرتك الرهيبة على التحليل الإبداعي.. ويا ما استمتعت بتحاليلك الفكرية وتعلمت منها.

هل كنتَ صحافيا حقا؟ كنتَ قلما رفيعا، دقيقا.. كنتَ صاحب جملة صافية، رصينة، مصقولة كالرخام الفاخر. وكانت الصحافة مهنتك. ولكنك كنتَ مفكرا عميقا عارفا.. مثقلا بالنصوص الفكرية التي منحتك قدرة مبهرة على التحليل الرزين والعميق لكل الظواهر حتى تلك التي تبدو لنا بسيطة. مجرد تناول “الحريرة” في مطعم شعبي كان يتحول معك إلى موضوع للتأمل المبدع عن المغرب الواحد المتعدد.. وما تمثله الحريرة من غنى بتعدد مكوناتها وانصهارها في بعضها بعض.. الخ

هل كنتَ صحافيا؟ فعلا، كانت الصحافة مهنتك، ولكنك كنتَ باحثا مُقَدِّسا لصرامة البحث الأكاديمي وقد أمضيت سنين طويلة في بحث يستحق أن يكون مرجعا معتمدا لو كان “أهل القرار في الجامعة المغربية” يعقلون حقا.

هل كنتَ صحافيا؟ أكيد، كانت الصحافة مهنتك ولكنك كنتَ جديرا بأن تكون أستاذا جامعيا حقيقيا.. أستاذا جامعيا يحمل مشروعا فكريا واضحا مدعوما برصيد هائل من النصوص المرجعية ومسنودا بقدرة كبيرة على التحليل.. أستاذا “علاَّمة” تنثر علمك الغزير على الطلبة كما كنت تنثره بسخاء علينا نحن الذين كنا نجالسك…

هل كنتَ صحافيا؟ كانت الصحافة مهنتك بلا شك وبرعتَ فيها، ولكنك كنتَ كاتبا مبدعا حقيقيا، بخيالك ودقة لغتك وغناها.. كنتَ مبدعا أصيلا يقدس الأدب ويتعامل معه بتواضع المؤمن في محرابه.. ونصوصُك، التي نُشِر بعضها على صفحات الجريدة وظل كثيرُها حبيس حاسوبك (أو حواسيبك بالأحرى)، تشهد على ذلك…

كنتَ، قبل كل هذا وبعد كل هذا، إنسانا طافح الإنسانية، يحن على كل المخلوقات، وعدد منها، نباتا وأحياء عاشت معك وفي كنف عنايتك، سواء في الدار الكبيرة بعين السبع أو في شقتك الشخصية. كنت وديعا طيبا بلا حدود. بل كنت “حليب الطيبوبة الإنسانية” على حد تعبير شكسبير..

وأتذكر تلك المرات التي ينعطف فيها الحديث إلى “انتماءاتنا” البيضاوية المختلفة.. أنت “ولد عين السبع” وأنا “ولد درب السلطان”.. وفي غمرة الحديث عن العالمين البيضاويين العريقين ومميزات كل واحد، تحاول أن “دير فيها قبيح زعما.. ولد درب السلطان” فتثير حركاتك وطريقتك “في تخسار الهضرة” ضحكاتي لأن فائض حليب طيبوبتك لم يترك مكانا في روحك ولا في معجمك حتى لتقليد “القبوحية” و”تخسار الهضرة”..

كنتَ طيبا وزاهدا في كل شيء تقريبا، إلا في سجائرك ومتعتك البسيطة الأخرى التي كنت مسرفا فيها، وحتى إسرافك هذا كنتَ تتعامل معه بروح صوفية سامية. هذه الروح ذاتها هي جعلتك تؤمن باليسار الحقيقي.. اليسار الإنساني الذي يتسامى عن الاصطفافات الأيديولوجية.. وهذه الروح نفسها هي التي جعلتك لا تتحمل كثيرا حسابات التنظيمات وتخندقاتها، وإن ظللت تحمل ودا خاصا للفكرة الاتحادية.

منذ الأيام الأولى في قاعة التحرير بجريدة “الأحداث المغربية”، وفي أماكننا الأخرى المفضلة، جمعنا حب جارف للأدب والفكر وللنصوص.. وجمعتنا صداقة صافية، وهي وسام سأظل أزهو به ما حييت.. صداقة عشنا بفضلها تجارب ومواقف كثيرة ستظل حية في الذاكرة والروح الى الأبد..

أتذكر يوم طُلِبَ منا، في الشهور الأولى من العمل، أن نفتح حسابا بنكيا؟ قصدنا، فرِحَيْن ومُسْتَقْوِيَّيْن بصفتنا الجديدة كصحافيين، أقرب وكالة بنكية. فورا، فهم المستخدم الذي توجهنا إليه، أننا غريبان عن هذا العالم، فلم يعر كثير اهتمام كبيرا لصفتنا، بل فقط عاملنا بلطف مصطنع مشوب بكثير من التعالي وراح فقط يمدنا بأوراق ويطلب توقيعها وقبل ذلك يوصينا ويلح بشكل غريب على ضرورة الاحتفاظ بنفس التوقيع.. يومها خرجنا وجلسنا في المقهى ونحن نشعر بأن ذلك المستخدم تصرف معنا كبدويين طارئين على المدينة وليس كصحافيين…

أتذكر المرات العديدة التي خرجنا فيها إلى سوق القريعة (جناح بيع الطيور وبعض الحيوانات الأليفة الأخرى) لاكتشف معرفتها المعتبرة بالطيور وأنواعها.. عالم كنت أتيه في ألوانه الزاهية ولم أكن أعرف عنه إلا النزر اليسير واليسير جدا. فكنتَ تعذر جهلي وتطفق تعرفني على أصنافها وأشكالها. وبما أن فهمي في عالم الطيور كان “ثقيلا”، تعيد معي الدرس، الكرة تلو الكرة، برحابة صدر…

أدرك أن كل ما أقوله هنا لا يفيد في شيء الآن، وقد أضحيتَ بعيدا على قرب، قريبا على بعد، كما قال الشاعر العربي.

وعلي أن أعترف أنني كنت مقصرا معك في السنوات الأخيرة بالخصوص، ولم نلتق كثيرا، بل في مرات عديدة كنت أنت من تبادر إلى الاتصال بي والاطمئنان علي!

هل هي متاهة الحياة أم تواهن غير مقصود من طرفي أم هو استغلال لتفهمك الدائم لمشاغلي؟ ربما هذه العلل كلها.. حتى في المناسبات القليلة التي التقيتك فيها ببيتك، سرعان ما كانت دموعي تسبقني رغما عني، لأنني لم أكن أتقبل ما آل إليه وضعك.. فكنت تسارع إلى طمأنتي بأنك بخير وتخبرني أنك قللت من متعتك البسيطة وحتى من السجائر. وتحكي لي عن مواعيدك مع الطبيبة واضطرابها بسبب الإضرابات في قطاع الصحة، والتزامك بتناول أدويتك.. كنت أزورك حتى أبدد بعضا من غيوم وحدتك فإذا بك أنت من تلملم انهياري أمامك.

عزائي الوحيد أن أثرك سيظل موشوما في الروح مثل أثر الفراشة.. لا يبين ولا يَمَّحِي.. عزائي الوحيد أنني جلست إلى جانب نعشك لبضعة أمتار في الطريق إلى المقبرة، تسبقني دموعي.. وها هي تسيل أيضا وأنا أنسج هذه الكلمات (كم كنت تحب ترديد الكلمات المرتبطة بالنسج والنسيج عند الحديث عن الكتابة).

وفي تلك المقبرة القريبة من البيت الذي ارتقيت فيه (كأنك لم ترد أن تزعج مودعيك، فاخترت الرحيل قربها)، أهديناك ـ نحن أصدقاءك وإخوتك (يا لحظك بإخوتك وأخواتك وأصهارك)- للثرى.. فيا عزة المُهْدَى ويا حسرة المُهْدِي، كما قال الشاعر العربي.. يا عزة المُهْدَى ويا حسرة المُهْدِي..

آخر الأخبار

أمين بودشار يجدد اللقاء بالجمهور التونسي ببنزرت
جدد الفنان المغربي أمين بودشار مساء أمس الأحد لقاءه بالجمهور التونسي في حفل أحياه بمدينة بنزرت شمال البلاد. وشكل الحفل، الذي نظم في إطار مهرجان بنزرت الدولي، محطة أخرى أكدت النجاح الملفت لصيغة “الجمهور يغني ” التي تقوم عليها حفلات الفنان المغربي، وسط الجمهور التونسي. وأثار النجاح الذي يحظى به أمين بودشار في تونس انتباه […]
زخات رعدية مع احتمال تساقط البرد وهبات رياح اليوم الاثنين
تتوقع المديرية العامة للأرصاد الجوية تسجيل زخات رعدية (من 20 إلى 35 ملم)، مع احتمال تساقط البرد وهبات رياح، اليوم الاثنين، بعدد من مناطق المملكة. وأوضحت المديرية، في نشرة إنذارية من مستوى يقظة “برتقالي”، أن هذه الظاهرة الجوية ستهم أقاليم وعمالات بولمان، وخنيفرة، وميدلت، وورزازات، وتارودانت، وتنغير، والحوز، وفكيك، وجرادة، وأزيلال، وبني ملال، وإفران، وكرسيف، […]
انطلاق الدورة الـ20 لمسابقة جائزة محمد السادس الدولية في حفظ القرآن الكريم وترتيله وتجويده وتفسيره
انطلقت، اليوم الاثنين، بمعهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات بالرباط، فعاليات الدورة الـ20 لمسابقة جائزة محمد السادس الدولية في حفظ القرآن الكريم وترتيله وتجويده وتفسيره. ويأتي تنظيم هذه المسابقة الدولية السنوية، المحدثة بموجب الظهير الشريف رقم 1.04.223 الصادر في 7 محرم 1426هـ (16 فبراير 2005م)، من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، في إطار العناية […]