نشرت صحيفة “لوموند الفرنسية بتاريخ 2 غشت 2026، تقريراً إعلامياً يسلط الضوء على تداعيات محاولات مئات الشباب المغاربة الهجرة نحو مدينة سبتة المحتلة عبر مدينة الفنيدق. ورغم أن المقال حاول تقمص دور المراقب الاجتماعي الذي يرصد “خيبة أمل” هؤلاء الشباب بعد عودتهم، إلا أن القراءة الفاحصة لمضامينه تكشف عن انحياز منهجي يتبنى سردية نمطية وموجهة.
فقد اختارت الصحيفة مرة أخرى استغلال مآسي الشباب لبيع “الوهم الأوروبي”، متجاهلة بشكل متعمد الحقائق الميدانية المعقدة، ومغيبة الجهود التنموية التي تشهدها المنطقة، لتسقط بذلك في فخ التبسيط المخل والتحايل الصحفي المقصود للإساءة إلى المغرب.
ويبدأ السقوط المهني للمقال من عنوانه الذي يصف العبور إلى سبتة بأنه عبور” خاطف إلى أوروبا”، وهو تبسيط جغرافي وسياسي مضلل، فمدينة سبتة المغربية المحتلة هي في الواقع جيب أمني معقد ومسيج، ولا تمثل بأي حال من الأحوال نقطة عبور مفتوحة نحو الفضاء الأوروبي أو منطقة شنغن” كما حاول المقال تصويرها بشكل مغلوط ومليء بالمغالطات.
ثم إن الحديث عن “خيبة أمل الشباب باكتشافهم للوجود الأمني المكثف وإغلاق المحلات التجارية ينم عن تجاهل متعمد للواقع الإداري والأمني للمدينة المحتلة، حيث كان الأجدر بالصحيفة المهنية أن تفكك تعقيدات هذا الوهم الجغرافي بدلاً من تبنيه السردية درامية للقصة من خلال تصوير سبتة كفردوس مفقود في مواجهة المغرب الذي حاول المقال تصويره عن قصد كأرض خراب.
ورغم إقرار “لوموند” في طيات تقريرها بأن هؤلاء الشباب قد تم تحفيزهم عبر معلومات انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي، إلا أنها سارعت إلى تهميش هذا العامل المحوري لصالح تبريرات سوسيولوجية جاهزة حيث تناست الصحيفة أن ما شهدته الفنيدق لم يكن مجرد استجابة تلقائية لظروف اجتماعية، بل كان نتاجاً لحملات تضليلية ممنهجة (Fake News) وشائعات إلكترونية أدارتها شبكات تهريب البشر وبعض الأوساط من داخل إسبانيا نفسها كما جاء في بعض الشهادات لمهاجرين مغرر بهم.
وهذه الشبكات والأوساط الإسبانية المجهولة هي نفسها من حركت آلاف الشباب والقاصرين بناءً على وعود كاذبة بفتح الحدود، وهو تحد أمني ورقمي عالمي تعاني منه مختلف الدول، ولا يمكن اختزاله في مجرد نزوح اجتماعي” مغربي صرف.
لتعزيز سرديتها التشاؤمية لجأت الصحيفة الفرنسية إلى الاستناد شبه الحصري على مصادر تتبنى عادة خطابات راديكالية، مثل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، مع تهميش كامل لأصوات الفاعلين المحليين والمؤسساتيين وهو الانحياز الذي أدى إلى الإغفال المتعمد لسياق التحول الاقتصادي الذي تعيشه الفنيدق، فمنذ القطع مع اقتصاد التهريب المعيشي” الذي كان يستنزف الاقتصاد الوطني لصالح الجانب الإسباني، أطلقت الدولة مبادرات مهيكلة أبرزها “منطقة الأنشطة الاقتصادية بالفنيدق”، فضلاً عن برامج الدعم الموجهة للشباب مثل “فرصة” و”أوراش”، وهي معطيات تجاهلها التقرير تماماً لكي لا تتهاوى صورته النمطية.
فلم يخل المقال من مشاهد مسرحية تركز على تصوير الشباب العائدين في وضعيات بئيسة، يفترشون الشوارع وبدون هواتف أو أموال. وفي مقابل هذه “الدموع التماسيحية” والخطاب الكولونيالي الجديد، تجاهلت الصحيفة حقيقة التعامل المؤسساتي والأمني المغربي الذي ركز بالأساس على حماية أرواح هؤلاء المغامرين من مخاطر البحر ومن شباك الاتجار بالبشر، ثم إن الصحافة التي تكتفي بالبكائيات الإعلامية دون تقديم قراءة شمولية للواقع لا تخدم سوى أجندات سياسية تبحث عن الإثارة على حساب سمعة دول الجنوب.
إن التحديات الاجتماعية والاقتصادية في المغرب واقع لا تنكره الدولة، بل تواجهه عبر أوراش كبرى وإصلاحات هيكلية، إلا أن معالجة ظاهرة الهجرة شديدة التعقيد بتقارير سطحية تصطاد في الماء العكر، تفقد المنابر الإعلامية مصداقيتها. لقد بات لزاماً على بعض المنابر الفرنسية أن تتخلى عن نظرتها الاستعلائية، وأن تقرأ التحولات العميقة التي يشهدها المغرب بعين موضوعية تتحرر من الكليشيهات البالية.
