27 سنة من الهندسة الملكية للنفوذ الجيوستراتيجي للمغرب جعلت المملكة أكبر “كوريدور” للطاقة بين إفريقيا وأوروبا

بواسطة الأربعاء 29 يوليو, 2026 - 18:08

منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين قبل سبعة وعشرين عاماً، تبنى المغرب رؤية استراتيجية استباقية أعادت تعريف موقعه في التحولات الجيوسياسية الدولية، واضعةً الطاقة في صلب معادلات السيادة والنفوذ. فقد استشرف جلالته مبكراً أن موازين القوة في القرن الحادي والعشرين لن تُحسم بحجم احتياطات النفط والغاز فحسب، بل بالقدرة على التحكم في مسارات الإمداد، وتأمين ممرات العبور، وإنتاج الطاقات النظيفة، وتخزينها، وربط الأسواق والقارات بشبكات الطاقة العابرة للحدود. 

واليوم، تؤكد التحولات العالمية صواب هذه الرؤية؛ إذ تجاوزت الاستثمارات في الطاقة النظيفة تريليوني دولار سنة 2025، وفق الوكالة الدولية للطاقة، لتفوق بأكثر من الضعف الاستثمارات الموجهة للوقود الأحفوري. وفي هذا السياق الجديد، لم تعد القوة الطاقية حكراً على كبار المنتجين، بل أصبحت رهينة بامتلاك الموقع الاستراتيجي، والبنية التحتية، والقدرة على تأمين تدفقات الطاقة العالمية، وهي المجالات التي نجح المغرب، بقيادة جلالة الملك، في ترسيخ مكانته فيها خلال ربع قرن.

وعلى هذا الأساس، ورغم محدودية موارده من الطاقة الأحفورية واعتماده تاريخياً على الاستيراد لتغطية أكثر من 90% من حاجياته الطاقية، نجح جلالة الملك في وضع المغرب على اعتاب التحول إلى قوة طاقية واعدة في حوض المتوسط، فالموقع الجغرافي للمملكة عند ملتقى أوروبا وإفريقيا، وسواحلها الممتدة على أكثر من 3500 كيلومتر على المتوسط والأطلسي، واستقرارها السياسي، وشبكة موانئها المتطورة، كلها عناصر تؤهلها لتكون منصة لعبور الطاقة ومركزاً لإنتاج الطاقات النظيفة وحلقة وصل بين احتياجات أوروبا وموارد إفريقيا. ويعزز هذا الطموح الملكي موقع المغرب ضمن أهم الممرات البحرية العالمية عبر مضيق جبل طارق الذي تعبره نسبة مهمة من التجارة الدولية للطاقة.

كانت الخطوة الأولى في هذه الرؤية هي التخلص تدريجياً من الارتهان الكامل لمصادر الطاقة التقليدية، والانتقال إلى الاستثمار المكثف في الطاقات المتجددة. ففي الوقت الذي كانت فيه دول كثيرة تعتبر الطاقة الشمسية والريحية مجرد مشاريع بيئية، كان المغرب ينظر إليها باعتبارها خياراً جيوسياسياً يضمن استقلالية القرار الوطني ويمنح المملكة مكانة متقدمة في الاقتصاد الأخضر العالمي. ولهذا أطلق جلالة الملك مشاريع كبرى مثل مجمع نور ورزازات للطاقة الشمسية بقدرة تناهز 580 ميغاواط وعلى مساحة تتجاوز 3000 هكتار، ومزارع الرياح في طرفاية بقدرة 301 ميغاواط، وأخفنير، والعيون، وبوجدور، وميدلت. وبحلول 2026 تجاوزت القدرة المركبة للطاقات المتجددة 5.5 غيغاواط، وأصبحت تمثل ما يفوق 45% من القدرة الكهربائية الوطنية، بينما يستهدف المغرب بلوغ 52% بحلول 2030، وهو من أعلى المعدلات في إفريقيا والعالم العربي.

لكن الرؤية الملكية لم تتوقف عند تحقيق الاكتفاء أو خفض فاتورة الاستيراد، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر طموحاً، وهي تحويل المغرب إلى مصدر للطاقة النظيفة نحو الأسواق الأوروبية. ومع تصاعد الضغوط الدولية للحد من الانبعاثات الكربونية وارتفاع الطلب الأوروبي على مصادر طاقة منخفضة الكربون، وجد المغرب نفسه في موقع مثالي للاستفادة من هذا التحول العالمي. فالمغرب مرتبط حالياً بإسبانيا عبر خطين كهربائيين بقدرة إجمالية تقارب 1400 ميغاواط، كما يجري الإعداد لمشروع ربط ثالث سيرفع القدرة إلى نحو 2100 ميغاواط، إضافة إلى مشروع الربط الكهربائي مع البرتغال. وقد خصص الاتحاد الأوروبي مليارات اليوروهات لدعم الربط الطاقي والتحول الأخضر في جنوب المتوسط، ما يمنح المغرب أفضلية استراتيجية يصعب أن تتوفر لدول أخرى خارج الفضاء الأوروبي.

وفي هذا السياق، برز مشروع الهيدروجين الأخضر باعتباره أحد أهم رهانات المستقبل. فالعالم الصناعي يتجه نحو اعتماد الهيدروجين النظيف في تشغيل الصناعات الثقيلة والنقل البحري والجوي، ويتوقع أن يتجاوز حجم سوقه العالمية مئات المليارات من الدولارات خلال العقود المقبلة. والمغرب يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليكون أحد أهم المنتجين بفضل وفرة الطاقة الشمسية والريحية، والمساحات الشاسعة، والموقع القريب من الأسواق الأوروبية. وقد أطلقت المملكة سنة 2024 مبادرة كبرى لتطوير قطاع الهيدروجين الأخضر عبر تخصيص مساحات استثمارية واسعة في الأقاليم الجنوبية، خاصة جهة الداخلة وادي الذهب، مع مشاريع لإنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء باستثمارات معلنة تتجاوز 25 مليار دولار في مراحلها الأولى. كما أبدت شركات دولية من أوروبا وآسيا والخليج اهتماماً بالمشاركة في هذه المشاريع، ما يفتح الباب أمام ولادة صناعة استراتيجية قد تعيد رسم مكانة المغرب في الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.

غير أن المشروع الأكثر طموحاً والأوسع أثراً يبقى دون شك أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الذي يربط نيجيريا بالمغرب مروراً بعدد كبير من دول غرب إفريقيا قبل أن يصل إلى الشبكات الأوروبية. فهذا المشروع لا يمكن اختزاله في كونه أنبوباً لنقل الغاز، لأن قيمته الحقيقية تكمن في التحولات الجيوسياسية التي سيحدثها إذا اكتمل إنجازه.

فبطول يقارب 6800 كيلومتر سيمر الأنبوب بمحاذاة الساحل الغربي للقارة، ويربط نحو 13 دولة إفريقية، ويُقدَّر أن ينقل ما بين 15 و30 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً في مراحله المختلفة، مع إمكان تزويد أكثر من 400 مليون نسمة بالطاقة. وتبلغ الكلفة التقديرية للمشروع ما بين 25 و30 مليار دولار، وقد استكملت الدراسات التقنية والهندسية الرئيسية، بينما يشارك في تطويره المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن والشركة الوطنية النيجيرية للبترول، بدعم من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “سيدياو” والمؤسسات المالية الإفريقية. وبالنسبة للمغرب، فإن هذا المشروع يعني الانتقال من مجرد مستورد للطاقة إلى لاعب محوري في أمن الطاقة الإقليمي، لأن أي تدفق مستقبلي للغاز نحو أوروبا سيجعل المملكة شريكاً أساسياً في إحدى أكثر القضايا حساسية بالنسبة للقارة الأوروبية.

وتزداد أهمية هذا المشروع في ظل التحولات التي يعرفها سوق الطاقة العالمي بعد الحرب الروسية الأوكرانية، حيث سعت أوروبا إلى تنويع مصادرها وتقليص الاعتماد على مورد واحد. فقد انخفضت حصة الغاز الروسي في واردات الاتحاد الأوروبي بشكل حاد منذ 2022، وارتفع الطلب على الإمدادات البديلة من إفريقيا والغاز الطبيعي المسال. وفي هذا السياق، يبرز المغرب باعتباره أحد أكثر المسارات استقراراً وأماناً لنقل الغاز الإفريقي نحو الضفة الشمالية للمتوسط، خاصة في ظل استقراره السياسي وتطوره اللوجستي، وهو ما يمنح المشروع بعداً استراتيجياً يتجاوز بكثير قيمته الاقتصادية المباشرة.

لكن الأثر الأعمق لهذا الأنبوب يتمثل في إعادة صياغة العلاقة بين المغرب وغرب إفريقيا. فالدول التي سيمر عبرها المشروع لن تستفيد فقط من رسوم العبور، بل ستتمكن من تطوير شبكاتها الكهربائية وإنشاء محطات توليد بالغاز وجذب استثمارات صناعية مرتبطة بالطاقة والأسمدة والبتروكيماويات. وتُقدَّر الاستثمارات المرافقة للبنى التحتية الطاقية والكهربائية بعشرات المليارات من الدولارات، ما يحول المشروع إلى منصة للتنمية المشتركة ويعزز مكانة المغرب باعتباره شريكاً تنموياً لا مجرد دولة عبور.

ومن زاوية أخرى، تشكل هذه المشاريع الطاقية امتداداً طبيعياً للاستراتيجية البحرية واللوجستية التي انتهجها الملك محمد السادس. فميناء طنجة المتوسط أصبح سنة 2025 من بين أكبر موانئ البحر الأبيض المتوسط بطاقة تفوق 9 ملايين حاوية سنوياً، ويرتبط بأكثر من 180 ميناء حول العالم. كما يجري إنجاز ميناء الداخلة الأطلسي باستثمار يقارب 12 مليار درهم ليشكل منصة استراتيجية على الساحل الأطلسي الإفريقي. وتتكامل هذه الموانئ مع شبكة طرق سيارة تتجاوز 1800 كيلومتر، وشبكة سكك حديدية حديثة، وخط القطار فائق السرعة البراق الذي يجري تمديده نحو مراكش في إطار مشروع تتجاوز استثماراته 50 مليار درهم. وبهذا يصبح المغرب ليس فقط ممراً للطاقة، بل مركزاً لتجميعها وتحويلها وتصديرها نحو الأسواق الدولية.

كما أولت المملكة أهمية متزايدة للأمن المائي باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الأمن الطاقي والغذائي. فقد أطلقت برامج واسعة لبناء محطات تحلية مياه البحر، من أبرزها محطة الدار البيضاء التي تعد من أكبر المحطات في إفريقيا بطاقة مستهدفة تصل إلى نحو 300 مليون متر مكعب سنوياً، إضافة إلى محطات أكادير والداخلة والناظور والحسيمة. ويستهدف المغرب بلوغ قدرة تحلية تناهز 1.7 مليار متر مكعب سنوياً بحلول 2030، مع ربط عدد من هذه المحطات بمصادر الطاقة المتجددة لتقليص الكلفة والانبعاثات. ولم يعد الهدف مواجهة آثار الجفاف فقط، بل توفير شروط الاستقرار الصناعي والفلاحي وضمان استدامة التنمية في ظل التغيرات المناخية.

وتكشف هذه المقاربة عن تحول عميق في مفهوم القوة لدى الدولة المغربية. فبدلاً من انتظار اكتشافات نفطية كبرى، اختارت المملكة صناعة الثروة عبر الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية والشراكات الدولية. وقد تجاوزت الاستثمارات العمومية والخاصة الموجهة لقطاعات الطاقة والماء والبنية التحتية خلال العقدين الأخيرين مئات المليارات من الدراهم، بينما ارتفعت مساهمة الصناعات الخضراء والطاقات المتجددة في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. ولهذا بدأت مؤسسات مالية وشركات عالمية تنظر إلى المغرب باعتباره أحد أهم الشركاء المحتملين في الانتقال العالمي نحو الاقتصاد الأخضر.

إن ما تحقق خلال سبعة وعشرين عاماً من حكم جلالة الملك محمد السادس يؤكد أنه لم يتعامل مع الطاقة باعتبارها قطاعاً اقتصادياً منفصلاً، بل باعتبارها أداة من أدوات السيادة الوطنية والنفوذ الدولي. فالدول التي تؤمن الطاقة، أو تؤمن طرق عبورها، أو تمتلك القدرة على إنتاج طاقة المستقبل، تصبح طرفاً مؤثراً في القرارات الاستراتيجية للقوى الكبرى لأنها تدخل مباشرة في معادلات الأمن الاقتصادي العالمي.

ولهذا فإن المغرب اليوم يقف على أعتاب مرحلة جديدة قد تكون الأكثر أهمية في تاريخه الحديث. فعند اكتمال مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، وتوسعت مشاريع الهيدروجين الأخضر، وتعزز الربط الطاقي مع أوروبا وإفريقيا، فإن المملكة لن تكون مجرد بلد يستهلك الطاقة أو يعبرها، بل ستتحول إلى أحد المفاصل الرئيسية في الخريطة الطاقية الجديدة الممتدة من خليج غينيا إلى السواحل الأوروبية. وعندها سيغدو المغرب منصة استراتيجية تجمع بين الغاز الإفريقي والكهرباء الخضراء والهيدروجين النظيف والخدمات اللوجستية والموانئ العابرة للقارات، وهو تحول سيمنحه وزناً جيوسياسياً غير مسبوق ويجعله أحد أهم الفاعلين في أمن الطاقة بين القارتين خلال العقود المقبلة.

آخر الأخبار

جلالة الملك يترأس يومي الخميس والجمعة مراسم الاحتفالات بمناسبة ذكرى عيد العرش المجيد
أعلنت وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة أنه بمناسبة تخليد الذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، على عرش أسلافه الميامين، سيترأس جلالته يومي الخميس والجمعة مراسم الاحتفالات التي تخلد هذه المناسبة.وفي ما يلي نص البلاغ الذي أصدرته وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة بهذا الخصوص :“تعلن وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة، […]
عيد العرش المجيد.. جلالة الملك يصدر عفوه السامي على 1788 شخصا
بمناسبة عيد العرش المجيد لهذه السنة 1448 هجرية 2026 ميلادية تفضل صاحب الجلالة الملك محمد السادس أدام الله عزه ونصره، فأصدر حفظه الله أمره السامي المطاع بالعفو على مجموعة من الأشخاص منهم المعتقلين ومنهم الموجودين في حالة سراح، المحكوم عليهم من طرف مختلف محاكم المملكة الشريفة وعددهم 1788 شخصا. وفي ما يلي نص البلاغ الذي […]
الزابيري ينضم إلى راسينغ سانتاندير لموسم واحد بنظام الإعارة
أعلن راسينغ سانتاندير الإسباني لكرة القدم عن تعزيز صفوفه بالتعاقد مع الدولي المغربي ياسير الزبيري، قادما من  رين الفرنسي لموسم واحد على سبيل الإعارة. ​وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي الفريق الإسباني لتدعيم خط هجومه بلاعب يمتلك مقومات واعدة، بعد المستويات اللائتة التي قدمها زبيري خلال مسيرته الشابة ومع الفئات السنية المختلفة. ​ويعد ياسير زبيري […]