السوسيولوجي بورقية: المغرب وظف نجاحاته الكروية كقوة ناعمة و المشجع  فاعل في الدبلوماسية الموازية

بواسطة السبت 11 يوليو, 2026 - 11:06

بعيدا عن تحركات المربع الأخضر، وصخبه المتلاعب بأمواج بشرية تصبوا لانتزاع فرحة ترقص على أعصاب ملايين المغاربة ; تدار مباريات أخرى، تمتد في عمرها الزمني خارج إكراهات الأشواط، والنقاط، والركلات … حيث يتم استثمار هذا الزخم الكروي باعتباره واحدا من أنجع أدوات القوة الناعمة، لتصدير صور تعزز جاذبية المملكة سياحيا،ثقافيا،حضاريا، وسياسيا.

وعلى امتداد السنوات الماضية،وضع المغرب تحت القيادة الملكية، تصورا واضحا تموضعت فيه كرة القدم كرهان رابح لخلق إشعاع قاري ودولي، انطلاقا من تأسيس أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، مرورا بتنظيم تظاهرات قارية، وصولا إلى المربع الذهبي بمباريات كأس العالم بقطر.

محطات عدة،تجاوزت عتبة الإنجاز الكروي، لتتحول إلى قوة معنوية ناعمة حينا، وحماسية حينا آخر، تغذي مفهوم الهوية، والانتماء،وقيم تمغربيت العابرة للحدود.

في الحوار التالي، يسلط السوسيولوجي والأستاذ الباحث بمعهد علوم الرياضة، عبد الرحيم بورقية، الضوء على قدرة الرياضة في صناعة صورة الدولة وتعزيز الثقة الدولية في قدراتها، إلى جانب الاستثمار في اللاعبين المغاربة الذين تحولوا لجسر ثقافي بين أصولهم و بلد الإقامة، وما يمثله ذلك في وجدان الأجيال الجديدة من مغاربة العالم.

بورقية تحدث أيضا عن أهمية تكوين المشجع، بصفته سفيرا شعبيا، وفاعلا في الدبلوماسية الموازية التي يبدو من ثمارها الواضحة، الإقبال الكبير على القميص الوطني، الذي أضحى “جواز سفر رمزي” للمغرب”كما جاء على لسان الباحث.

كيف نجحت كرة القدم في تجاوز خانة الترفيه والتنافس وتوجيه طاقة الشباب، إلى رهانات جديدة تجعل منها إحدى أدوات القوة الناعمة القوية بيد المغرب؟

الرياضة عامة و كرة القدم خاصة، تحمل قدرات رمزية تشكل موردا مهما لأي سياسة خارجية، وذلك انطلاقا من قدرتها على التأثير في الرأي العام العالمي، وتقديم صور إيجابية عن البلاد ، مع تعزيز جاذبيتها على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية.

 وإلى جانب ما تمثله من معيار قياس للقدرات التنظيمية ولتطور المجتمعات، أصبحت كرة القدم اليوم، إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة، بما تمتلكه من قدرة تأثير واستقطاب جماهير، وصناعة مشهد إيجابي يساهم في بناء صورة الدولة وإبرازها وتصديرها إلى الخارج.

لذلك لم تعد المنافسات الرياضية مجرد فضاءات للتنافس، بل أصبحت منصات للتواصل الدبلوماسي، وإبراز الكفاءة التنظيمية، وتعزيز الثقة الدولية في قدرات الدول.

وفي هذا السياق، استطاع المغرب أن يوظف نجاحاته الكروية، ولا سيما الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني في كأس العالم 2022، إلى جانب استضافته للتظاهرات الرياضية الكبرى، لترسيخ صورته كدولة مستقرة، قادرة على التنظيم، ومنفتحة على محيطها الإفريقي والمتوسطي والدولي.

 وهكذا أصبحت كرة القدم أحد مؤشرات تطور المجتمع وفعالية مؤسساته، كما غدت أداة لتعزيز المكانة الدولية للمغرب ضمن منظومة القوة الناعمة، التي تقوم على الجاذبية والإقناع أكثر مما تقوم على الإكراه والقوة الصلبة.

إلى أي حد نجحت أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، في ترسيخ معالم هندسة هذه  القوة الناعمة من خلال الرهان على الإشعاع القاري والدولي لهذه اللعبة؟

يمكن القول إن أكاديمية محمد السادس، باعتبارها ترجمة لرؤية ملكية  سطر لها في مناظرات الصخيرات سنة 2008، و التي تعد الحجر الأساس لتأهيل وتطوير الرياضة بالمغرب، نجحت إلى حد كبير في ترسيخ معالم القوة الناعمة المغربية، لأنها حولت الاستثمار في الرأسمال البشري في تكوين اللاعبين، إلى استثمار في صورة المغرب . فلم تعد تُنتج لاعبين محترفين فحسب، بل أصبحت تُنتج رأسمالًا رمزيًا يعزز مكانة المغرب قارياً ودولياً، ويجعل من كرة القدم أداة للدبلوماسية والإشعاع الثقافي والسياسي، إلى جانب كونها نشاطاً رياضياً.

وهي  لم تعد فقط مؤسسة لتكوين اللاعبين، بل مصنعًا للمواهب تخرج منه لاعبون أصبحوا من أعمدة المنتخب المغربي الأول ،والأندية الأوروبية، مثل يوسف النصيري، وعز الدين أوناحي، ونايف أكرد، وهذا هو ما منح المشروع مصداقية دولية. 

كما ساهمت الأكاديمية في النتائج التي حققتها المنتخبات الوطنية، وفي مقدمتها الإنجاز التاريخي في كأس العالم قطر 2022، وكأس العالم للشباب بالشيلي 2025  ، إضافة إلى بروز المغرب كمرشح دائم للمنافسة قارياًودوليا.

 وبذلك تحولت كرة القدم إلى واجهة تعكس كفاءة المؤسسات المغربية في التخطيط والتكوين، وليس فقط في تحقيق النتائج الرياضية؛ والمغرب اصبح اليوم مرجعاً في إفريقيا، إذ ينظر إليها باعتبارها نموذجاً ناجحاً في تكوين اللاعبين وإدارة المواهب. كما أسهم نجاح خريجي الأكاديمية في الدوريات الأوروبية في الترويج لعلامة “صنع في المغرب” في مجال التكوين الرياضي، وهو أحد أهم مظاهر القوة الناعمة التي تقوم على الجاذبية والسمعة أكثر من الإكراه كما عرفها  أستاذ العلوم السياسية الامريكي جوزيف ناي.

وبالمناسبة، فكرة القوى الناعمة ليست جديدة، حيث يمكن ربطها بالحضارة الإغريقية، وقد وردت على سبيل الذكر عند افلاطون.

كيف يؤثر تواجد لاعبين من مغاربة العالم في تسهيل وصول قيم “تمغربيت” إلى الأجيال الجديدة من المهاجرين المغاربة؟

هناك بعد يتجاوز النتائج الرياضية، بل هناك رسائل إنسانية تعبر عن منظومة ثقافية واجتماعية، لذلك فحضور لاعبي مغاربة العالم في المنتخب لا يقتصر على تحقيق الإنجازات الرياضية، بل أصبح يشكل حلقة وصل لنقل القيم المغربية إلى الأجيال الجديدة من أبناء الجالية المغربية.

 فهؤلاء اللاعبون يمثلون جسراً ثقافياً بين بلد الإقامة وبلد الأصل، ويجسدون نموذجاً يجمع بين الاندماج الناجح في المجتمعات الأوروبية والمحافظة على الارتباط بالهوية المغربية.

فالرسالة التي يحملها هؤلاء اللاعبون تتجاوز المستطيل الأخضر، لتؤكد أن الانتماء إلى المغرب ليس مجرد اختيار رياضي، بل هو تعبير عن منظومة من القيم الإنسانية والاجتماعية المتجذرة في الثقافة المغربية. ويبرز ذلك في اعتزازهم بأصولهم، وحرصهم على رفع العلم المغربي، والتحدث عن ارتباطهم بآبائهم وأمهاتهم، وإظهار الاحترام للأسرة على اعتبارها أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية.

واللاعبين المغاربة هم نتاج بيئة غرست فيهم قيما مغربية ومعاني وتقاليد متجذرة ومتوارثة في ثقافتنا من جيل إلى جيل، لذلك يترجمون عبر الوفاء للأسرة اعتزازهم بالانتماء للمغرب؛ رغم نشأتهم في مجتمعات تختلف ثقافياً عن المغرب، فإن هذه القيم بقيت حاضرة في شخصياتهم وتعاملهم وسلوكهم، وهو ما يعكس قدرة الأسرة المغربية على الحفاظ على استمرارية الهوية عبر الأجيال.

 هؤلاء اللاعبين، أصبحوا نماذج ملهمة للشباب المغربي في المهجر، إذ يبرهنون أن النجاح العالمي لا يتعارض مع الحفاظ على الجذور والانتماء. وبفضل شعبيتهم الواسعة وتأثيرهم في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، يسهمون في ترسيخ صورة إيجابية عن المغرب وقيمه لدى الأجيال الجديدة من أبناء الجالية، ويشجعونهم على الاعتزاز بأصولهم والمحافظة على روابطهم الثقافية والوطنية.

وبهذا المعنى، يتحول اللاعبون  إلى فاعلين في القوة الناعمة المغربية، عبر تجسيدهم لقيمنا  ونقلها إلى العالم وإلى أبناء الجالية المغربية، بما يعزز استمرارية الهوية الوطنية ويجعلها أكثر حضوراً وجاذبية لدى الأجيال الصاعدة.

يشكل العامل الإنساني قطب الرحى ضمن هندسة القوة الناعمة للدول، كيف يمكن الرهان على تحسيس وتكوين المشجعين للانخراط في تسويق صورة المغرب عالميا؟

إن المشجع يمثل رأس مال بشرياً ورمزياً ينبغي تأهيله ليصبح كذلك فاعلاً في الدبلوماسية الموازية، وسفيراً شعبياً ينقل إلى العالم صورة عن المغرب كبلد عريق ومتنوع كان ولا يزال ملتقى طرق ثقافات وحضارات يفتخر بروافده الأمازيغية، العربية،  الأندلسية، بالإضافة إلى الروافد الصحراوية الحسانية، والإفريقية، والمتوسطية … فهو  يجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الاعتزاز بالهوية واحترام الآخر، بما يعزز مكانته الدولية ضمن هندسة القوة الناعمة.

و النجاح الذي حققه المغرب في السنوات الأخيرة، خاصة منذ مونديال قطر 2022، أثبت أن الجمهور المغربي  عنصر أساسي في صناعة الصورة الإيجابية للمملكة، سواء من خلال الاحتفالات الحضارية أو الرسائل الإنسانية التي رافقت المنتخب الوطني. ومن ثم، فإن الاستثمار في تكوين المشجع و المسير لا يقل أهمية عن الاستثمار في تكوين اللاعب، لأن كليهما يساهم في تعزيز القوة الناعمة المغربية؛ وهذا مشروع وطني يهم جميع فئات المجتمع لان جمهور الملاعب هو منتوج مجتمع. وهذا رهان حقيقي وآني، لأن المشجع لم يعد مجرد متلقٍ للفرجة الرياضية، بل أصبح فاعلاً في الدبلوماسية الشعبية وأحد أهم روافع القوة الناعمة للمغرب.

فالصورة التي ينقلها المشجع في الملاعب، وفي وسائل الإعلام، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تؤثر في الانطباع الذي يتكون لدى ملايين الأشخاص عن المغرب، أحياناً أكثر مما تفعله الحملات الرسمية. 

أما عن كيفية تفعيل ذلك، فكما قلت هو مشروع يرتكز على تحسيس وتكوين المشجع، وترسيخ الوعي بأن سلوكه داخل الملاعب وخارجها يعكس قيم المجتمع المغربي، مثل الاحترام، والتسامح، والكرم، والتعايش، والانضباط.

و إدماج صورة “صنع في المغرب” في الثقافة الرياضية، باعتباره منظومة قيم تقوم على الاعتزاز بالهوية المغربية مع الانفتاح على الآخر، هو ما يجعل التشجيع ممارسة حضارية تتجاوز الانفعال إلى تمثيل الوطن بصورة إيجابية؛ مع تكوين صناع محتوى لنشر صور تعكس التنظيم، والضيافة، والتنوع الثقافي، والفرح الجماعي، ما يساهم في بناء علامة المغرب الدولية(National Branding).

يجب أيضا التركيز على محاربة السلوكات السلبية، مثل العنف، والعنصرية، وخطابات الكراهية، لأنها تنكص من الجهود الدبلوماسية وتسيء إلى صورة بلادنا، بينما يمثل التشجيع المسؤول أحد مكونات الأمن الثقافي والرمزي للمغرب.

لذلك، مشجعو مغاربة العالم يمكن أن يكونوا جسراً ثقافياً بين المغرب ومجتمعات الإقامة، مع المساهمة في نقل قيم المغاربة، والاستثمار في الجالية المغربية بالخارج عبر كفاءات تحب المغرب هو كذلك  من أعمدة هدا المشروع.

كيف تقرأ دلالات ارتفاع الإقبال العالمي على القميص الوطني، وما يحمله من رسائل تعريف بالمغرب تتجاوز الحيز الرياضي من طرف مشجعين غير مغاربة، كمثال من أمثلة ثمار هذه القوة الرياضية الناعمة؟

تمآما كما قلت، إنه فعلا ثمرة من ثمار هذه الإثارة والجذب عبر القوة الناعمة؛  ويمكن القول أن القميص الوطني أضحى “جواز سفر رمزي” للمغرب؛ فحين يرتديه غير المغاربة، فإنهم لا يعلنون فقط تشجيعهم لمنتخب كرة القدم، بل يعبرون عن إعجابهم بنموذج مغربي استطاع أن يجمع بين النجاح الرياضي، والاعتزاز بالهوية، والانفتاح الحضاري، وهو ما يجعل من هذا القميص إحدى أكثر أدوات القوة الناعمة المغربية انتشاراً وتأثيراً على الصعيد الدولي.

و الإقبال المتزايد من طرف مشجعين غير مغاربة على اقتناء وارتداء القميص الوطني، يعكس نجاح المغرب في تحويل كرة القدم إلى رافعة للقوة الناعمة.

واختيار مشجع أجنبي للقميص المغربي لا يعبر فقط عن الإعجاب بأداء المنتخب، وإنما عن الانخراط في قصة وطن استطاع أن يجمع بين التميز الرياضي، والانفتاح، والاعتزاز بهويته. وبهذا المعنى، يتحول كل من يرتدي القميص إلى ناقل لصورة إيجابية عن المغرب داخل محيطه، بما يعزز الدبلوماسية الشعبية ويمنح المملكة حضوراً رمزياً يتجاوز حدود المنافسة الرياضية.

ومن هنا، فإن الرهان المستقبلي يتمثل في التعامل مع القميص الوطني باعتباره أحد رموز الهوية المغربية، وأداة استراتيجية للتعريف بالمغرب، وترسيخ مكانته في الوعي العالمي كبلد يجمع بين الأصالة، والانفتاح، والنجاح.

آخر الأخبار

وهبي: انتهت رحلتنا ولم ينته طموحنا ونعتذر للجماهير
​ خرج الناخب الوطني محمد وهبي، بأول تعليق له عقب الإقصاء من ربع نهائي كأس العالم، موجها رسالة مؤثرة ومباشرة إلى الجماهير المغربية عبر حساباته على منصات التواصل الاجتماعي. ​واستهل وهبي تدوينته بالإشارة إلى نهاية المشوار المونديالي قائلا: “انتهت رحلتنا بالأمس، لكن طموحنا لم ينته”، قبل أن يقدم اعتذاره للمشجعين لعدم تمكن الفريق من تقديم […]
يهم ساكنة الهراويين .. افتتاح وكالة جديدة للشركة الجهوية متعددة الخدمات
افتتحت الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء – سطات،وكالة جديدة للزبناء بجماعة الهراويين التابعة لإقليم مديونة، وذلك في إطار استراتيجية الشركة الرامية إلى تعزيز خدمات القرب وتوسيع شبكة وكالات الزبناء سواء في المجال الحضري أو القروي. وأوضح البلاغ الصادر عن الشركة، أن وكالة الهراويين تعد محطة جديدة ضمن هذه الدينامية الترابية، التي تسعى من خلالها […]
تحديد موعد وصول الأسود إلى المغرب
يصل المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم، في تمام الساعة الواحدة من صباح يوم غد الأحد 12 يوليوز الحالي، إلى مطار الرباط سلا. وتأتي هذه العودة مباشرة من مدينة بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية، بعد اختتام مشاركة النخبة الوطنية في نهائيات كأس العالم 2026، والتي أقيمت بتنظيم مشترك بين الولايات المتحدة، كندا، والمكسيك. ​ونجح أسود الأطلس في […]