الذكاء الاصطناعي يقتحم المدرسة المغربية.. المجلس الأعلى للتربية يدعو إلى تحرك عاجل

بواسطة الأربعاء 3 يونيو, 2026 - 12:38

توصية استراتيجية تدعو إلى إطار وطني ينظم استعمال الذكاء الاصطناعي في التعليم ويحمي التعلمات والقيم التربوية والسيادة المعرفية للمغرب.

لم يعد الذكاء الاصطناعي بالنسبة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي مجرد تقنية جديدة أو أداة رقمية إضافية يمكن للمدرسة المغربية أن تؤجل التفكير في تداعياتها. فبحسب التوصية الجديدة التي أصدرها المجلس تحت عنوان «من أجل اعتماد إطار وطني لتوجيه استعمال الذكاء الاصطناعي في التربية والتكوين والبحث العلمي»، أصبح الذكاء الاصطناعي واقعا يوميا يرافق الأطفال والشباب داخل الفصول الدراسية وخارجها، ويعيد تشكيل علاقتهم بالمعرفة والتعلم والتفكير. ومن هذا المنطلق، دق المجلس ناقوس الخطر، داعيا إلى تدخل عمومي عاجل لوضع إطار وطني يؤطر استعمال هذه التكنولوجيا ويحمي المدرسة من الانزلاق نحو استعمالات غير مضبوطة قد تؤثر في جودة التعلمات ومستقبل الأجيال القادمة.

تحول عميق

تنطلق التوصية من قناعة أساسية مفادها أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تحول تقني عابر، بل أصبح عاملا يعيد تشكيل طبيعة المعرفة وأنماط إنتاجها واكتسابها وتداولها. فالتطبيقات الجديدة القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي لم تعد تقتصر على البحث عن المعلومات، بل أصبحت قادرة على إنتاج النصوص والتحليلات والصور والحلول بشكل فوري، وهو ما يضع المدرسة أمام تحديات غير مسبوقة تتجاوز الجانب التقني إلى صلب العملية التربوية نفسها.

وترى الوثيقة أن هذا التحول يفرض إعادة النظر في أدوار المدرسة ووظائفها، وفي طبيعة الكفايات التي ينبغي أن يمتلكها المتعلمون في المستقبل، حيث لم يعد الهدف هو مجرد امتلاك المعلومة، بل القدرة على تحليلها والتحقق منها واستعمالها بشكل نقدي وواع.

استعجال وطني

ويعتبر المجلس أن عنصر الاستعجال يكمن في التفاوت المقلق بين الانتشار السريع لاستعمالات الذكاء الاصطناعي في صفوف الأطفال والشباب وبين غياب تأطير مؤسساتي واضح لهذه الممارسات.

ففي الوقت الذي أصبحت فيه هذه الأدوات جزءا من الحياة اليومية للمتعلمين، سواء في إنجاز الواجبات أو البحث أو التواصل أو إنتاج المحتويات، لا تزال السياسات العمومية والأنظمة التربوية متأخرة عن مواكبة هذه التحولات.

وتحذر التوصية من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى ترسيخ ممارسات يصعب تصحيحها لاحقا، خصوصا في ظل الاعتماد المتزايد على أدوات قادرة على إنجاز مهام فكرية كان يُفترض أن يقوم بها المتعلم بنفسه.

رهان التعلم

وتخصص الوثيقة حيزا مهما لتحليل تأثير الذكاء الاصطناعي على التعلمات الأساسية. فبينما تتيح هذه التكنولوجيا فرصا واعدة لتطوير التعليم، فإنها تحمل في المقابل مخاطر حقيقية إذا استُعملت دون ضوابط تربوية واضحة.

وتنبه التوصية إلى احتمال إضعاف بعض القدرات الذهنية الأساسية لدى الأطفال واليافعين، من قبيل القراءة والكتابة والحساب والتفكير المنطقي والتحليل والتركيب، إذا تحول الذكاء الاصطناعي إلى بديل عن الجهد الشخصي في التعلم.

وفي المقابل، تؤكد أن هذه الأدوات يمكن أن تساهم في تحسين جودة التعلمات من خلال دعم التعلم الذاتي، وتكييف الموارد البيداغوجية مع حاجيات كل متعلم، وتطوير أساليب التقويم والتتبع الفردي.

حسب الأعمار

وتدعو التوصية إلى اعتماد مقاربة متدرجة تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل مرحلة تعليمية.  ففي التعليم الابتدائي، ينبغي إعطاء الأولوية لحماية الأطفال وضمان اكتسابهم للمهارات الأساسية قبل الانخراط المكثف في استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي.

أما في التعليم الثانوي، فتبرز أهمية تطوير التفكير النقدي والقدرة على فهم آليات اشتغال هذه الأنظمة وحدودها ومخاطرها. وفي التعليم العالي والتكوين المهني، يصبح الرهان مرتبطا أكثر بالنزاهة الأكاديمية وجودة البحث العلمي وكيفية توظيف هذه الأدوات في الابتكار والإنتاج المعرفي دون المساس بالمصداقية العلمية.

دور المدرس

ومن بين الرسائل القوية التي تحملها التوصية أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يعوض المدرس مهما بلغت قدراته التقنية. فكلما توسعت إمكانات الآلات في إنتاج المعلومات، ازدادت أهمية الدور الإنساني للمدرس باعتباره موجها ومؤطرا ومرافقا للمتعلمين في بناء المعنى وتنمية الحس النقدي وترسيخ القيم.

وترى الوثيقة أن مستقبل المدرسة لا يكمن في منافسة الذكاء الاصطناعي، بل في توظيفه بطريقة تجعل المدرس أكثر قدرة على المواكبة الفردية وتحفيز الإبداع والابتكار لدى التلاميذ.

أخلاقيات رقمية

وتولي التوصية أهمية خاصة للبعد الأخلاقي المرتبط باستعمال الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة التربوية. فإلى جانب الفرص التي تتيحها هذه التكنولوجيا، تبرز تحديات مرتبطة بحماية المعطيات الشخصية، واحترام الخصوصية، وضمان الشفافية في استعمال الخوارزميات، ومكافحة التحيزات التي قد تتضمنها بعض النماذج الرقمية.

كما تؤكد على ضرورة ترسيخ ثقافة رقمية جديدة لدى المتعلمين تقوم على المسؤولية والوعي النقدي والاستعمال الآمن والأخلاقي للتكنولوجيا.

إنصاف وسيادة

ولا تقف مخاوف المجلس عند حدود المدرسة فقط، بل تمتد إلى رهانات استراتيجية أوسع تتعلق بالإنصاف والسيادة الرقمية. فالوثيقة تحذر من إمكانية تعميق الفوارق الاجتماعية والمجالية بسبب تفاوت فرص الولوج إلى التكنولوجيا والبنيات الرقمية الحديثة، مما قد ينعكس سلبا على مبدأ تكافؤ الفرص.

كما تثير قضية الحضور المحدود للغتين العربية والأمازيغية داخل المنظومات العالمية للذكاء الاصطناعي، داعية إلى الاستثمار في تطوير المحتويات والموارد الرقمية الوطنية بما يضمن حضور الهوية اللغوية والثقافية المغربية في الفضاء الرقمي العالمي.

بحث علمي

وتعتبر التوصية أن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقا واسعة أمام البحث العلمي والابتكار، من خلال تسريع عمليات تحليل المعطيات، وتطوير النماذج البحثية، ودعم إنتاج المعرفة.

غير أن المجلس يشدد في المقابل على ضرورة وضع ضوابط واضحة تضمن احترام أخلاقيات البحث العلمي، وتحافظ على النزاهة الأكاديمية، وتمنع كل أشكال الغش أو الانتحال أو الاعتماد المفرط على الإنتاج الآلي.

مسؤولية الدولة

وتخلص الوثيقة إلى أن مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تترك للمبادرات الفردية أو لمنطق السوق وحده، بل تندرج ضمن المسؤولية العمومية للدولة.

ولهذا تدعو إلى اعتماد إطار وطني مرجعي يحدد المبادئ المؤطرة لاستعمال الذكاء الاصطناعي في التربية والتكوين والبحث العلمي، ويضمن التنسيق بين مختلف المتدخلين والمؤسسات المعنية.

كما تؤكد أن نجاح إدماج الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة التعليمية يظل رهينا بتحقيق ثلاثة أهداف مركزية: تحسين جودة التعلمات، وتعزيز الإنصاف وتكافؤ الفرص، وضمان توظيف واع ومسؤول يحافظ على القيم التربوية والدور الإنساني للمدرسة.

مدرسة الغد

في العمق، لا تمثل توصية المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي مجرد دعوة تقنية لتنظيم استعمال الذكاء الاصطناعي، بل تعكس رؤية شاملة لمستقبل المدرسة المغربية في عصر التحولات الرقمية الكبرى.

فالسؤال الذي تطرحه الوثيقة لا يتعلق فقط بكيفية استعمال التكنولوجيا، بل بكيفية الحفاظ على جوهر التربية نفسها في زمن أصبحت فيه الآلة قادرة على التفكير والكتابة والإجابة والتعلم. وبين فرص الابتكار ومخاطر الانفلات، يدعو المجلس إلى بناء نموذج مغربي متوازن يجعل الذكاء الاصطناعي أداة لخدمة الإنسان والتعلم والتنمية، لا بديلا عن المدرسة أو عن الدور التربوي والإنساني الذي تضطلع به.

آخر الأخبار

وزارة التربية الوطنية.. اختبارات الدورة العادية للامتحان الجهوي الموحد "مرت في أجواء جيدة و إيجابية"
أفادت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بأن اختبارات الدورة العادية للامتحان الجهوي الموحد للسنة الأولى من سلك البكالوريا برسم دورة يونيو 2026 “مرت في أجواء جيدة وإيجابية، طبعها انخراط جميع الفاعلين التربويين والإداريين بجد ومسؤولية في إنجاح هذا الاستحقاق الوطني”. وذكر بلاغ للوزارة أن عدد المترشحين بلغ 570 ألفا و 696 مترشحة و مترشحا، […]
السمارة: برنامج مثمر يرتقي بجودة المنتوج الفلاحي ويزيد من المردودية الفلاحية
في خطوة تروم تحديث المنظومة الفلاحية بالأقاليم الجنوبية ودعم الفلاحين في تبني أساليب الزراعة العصرية، أجرى برنامج “المثمر” جولة ميدانية بجماعة الجديرية التابعة لإقليم السمارة، استهدفت ضيعة فلاحية تختص في إنتاج الذرة العلفية. وأشرف على هذه الجولة المهندس ابريه عليين، الذي تتبّع عن كثب مختلف مراحل الإنتاج داخل الضيعة، واستعرض الأساليب التقنية المعتمدة في زراعة […]
مغربيان بالتشكيلة المثالية لكأس إفريقيا للفتيان
عرفت التشكيلة المثالية لبطولة كأس إفريقيا لأقل من 17 سنة، التي احتتمت يوم الإثنين الناضي بتتويج المنتخب السنغالي باللقب على حساب نظيره التانزاني تواجد دوليين مغربيين. وحسب موقع “سوفا سكور” المتخصص في الأرقام والإحصاءات الرياضية تم اختيار إبراهيم الرباج لاعب تشيلسي الإنجليزي وآدم السودي مدافع تولوز الفرنسي، ضمن أبرز نجوم الدورة. ​واكتفى المنتخب الوطني المغربي […]