من منا لم يلاحظ أن أبناء الحسيمة لم ينخرطوا في اللعبة القذرة التي يحاول البعض جرهم إليها في ملف الزفزافي، ومن منا لا يعرف أن أبناء الحسيمة شأنهم شأن جميع المغاربة في المدن والقرى من طنجة الى الكويرة، معروفون بالوطنية ورجاحة العقل، والثبات في المحطات المفصلية، وأنهم يدركون جيدا خلفيات ما يحاك حاليا ضد المغرب من مؤامرات ومكائد، ويعلمون أن أي تشويش في هذه المرحلة لن يضر إلا بملف العفو عن الزفزافي ورفاقه، ولن يخدم سوى أجندات متقاطعة، تسعى من جهة إلى استغلال منطقة الريف لتصفية حساباتها مع الدولة المغربية، ومن جهة أخرى خلط الأوراق في المفاوضات الأممية الجارية برعاية أمريكية حول تفاصيل الحكم الذاتي في الصحراء المغربية.
وليس من قبيل الصدفة أنه باستثناء اليوتيوبر حميد المهدوي إضافة الى أقلية مجهرية، فان أغلب الصفحات والحسابات والوجوه التي اشتغلت خلال الأيام الأخيرة على التحريض وإشعال الفتنة وتطويق ملف الزفزافي بخطاب مظلومية زائف توجد خارج المغرب، وتتبنى خطابا انفصاليا يروج لأوهام ما يسمى بـ”جمهورية الريف” التي تمول الجزائر أنشطتها، وفي المقابل، أثبت أبناء الريف مرة أخرى وعيهم العميق، ومناعتهم الكبيرة ضد فيروس التحريض، وأثبتوا يقينهم بأن مصلحة الوطن، من طنجة إلى الكويرة، فوق كل اعتبار.
لهذا فان اختيار “قافلة نسوية” بالذات للذهاب الى الحسيمة، ليس بريئا في نظر من يتابع هذه التحركات، فمهندسو هذه “الخطة” يدركون طبيعة المجتمع الريفي المحافظ، ويعرفون أن الرجل الريفي يعتز بكرامته وشهامته ورجولته، لذلك تم الدفع بواجهة نسائية في محاولة لاستفزاز المشاعر وإثارة ردود فعل عاطفية، وكأن الرسالة المراد إيصالها هي: “عجز الرجال عن الدفاع عن أمهاتهم، فجاءت النساء للقيام بالمهمة”، والغاية من ذلك جر أبناء المنطقة إلى مواجهة جانبية وتشويش غير محسوب العواقب، من شأنه هدم كل التراكمات الإيجابية التي عرفها ملف الزفزافي خلال الفترة الأخيرة.
“الشياطين” التي تقف وراء هذه التحركات لا تبدو حريصة لا على مصلحة الحسيمة، ولا على سراح الزفزافي نفسه، بقدر ما تسعى إلى إجهاض الدينامية الإيجابية التي يعرفها الملف، وهي نفسها “الشياطين” التي حرضت على رشق القوات العمومية بالحجارة بعد جنازة والد الزفزافي، وهي من استدرجت والدة الزفزافي الى الادلاء بتصريحات من شأنها عرقلة مسار العفو عن ابنها، وهي ايضا من تنفث الأكاذيب في أذن الزفزافي داخل سجنه، وهي من همست له زورا وبهتانا، ان والدته تتعرض للتشهير وللتهديد بالاغتيال، ودفتعه الى اتخاذ موقف متشدد من الدولة، قام بنشره على شكل رسالة على صفحة شقيقه “طارق الزفزافي”، وقد كشف مضمونها على ان هناك “ساعي بريد مدلس” بين الزفزافي وعائلته، يحرضه على اتخاذ مواقف متشددة لا تخدم قضيته.
الخلاصة أن الزفزافي خلف القضبان لأنه يدفع فاتورة أخطائه التي استوعبها، وقد أظهر خلال جنازة والده إشارات ومواقف إيجابية يجب البناء عليها بدل هدمها، كما أن دفاع عائلته عن إطلاق سراحه يحتاج إلى الحكمة والعقلانية وحسن تقدير المصلحة، لا إلى المزايدات الفارغة والشعارات الجوفاء، والخطابات الاستفزازية، والاستقواء بجهات تعادي المملكة، لن تنتج سوى مزيد من التعقيد والتشنج في الملف.
أما رجال الحسيمة والريف عموما، فقد أثبتوا مرة أخرى أنهم يتمتعون بوعي سياسي ونضج وطني كبير، وأنهم يدركون أن مصلحة المنطقة تكمن في طي هذا الملف بشكل نهائي، ومواصلة مسار التنمية وخلق فرص الشغل وتحسين الأوضاع الاجتماعية، لا في الانجرار وراء مخططات الفتنة والصراعات المفتعلة. التي يراهن عليها أعداء المغرب.
اليوم، لم يعد السؤال هو من يصرخ أكثر أو من يرفع الشعارات أعلى، بل من يخدم فعلا مصلحة الحسيمة والمغرب، أما “الأبالسة” الذين يقتاتون على الأزمات ويعيشون على تأجيج الصراعات، فإنهم يهيجون كلما اقتربت لحظة الحل، لأن مصلحتهم ليست في إنهاء المشكل، بل في استمرار وجوده، ولهذا فإن أكبر انتصار للريف وللزفزافي وللمغرب هو أن ينتصر صوت العقل على ضجيج الفتنة، وأن تغلق هذه الصفحة بما يخدم الوطن وأبناءه جميعا، وان يواصل أبناء الريف الشامخ يقظتهم في مواجهة المخططات الشيطانية التي لن تكف عن محاولات استدراجهم الى ما من شأنه ضرب مصلحة المنطقة والمغرب بشكل عام.
