مجتمع

انهيارات جديدة بالمدينة العتيقة لمراكش وتشريد أسر بكاملها

مجيدة أبوالخيرات الأربعاء 03 يونيو 2015
انهيارات جديدة بالمدينة العتيقة لمراكش وتشريد أسر بكاملها
INHIYARAT

AHDATH.INFO - مراكش - خاص

«حوايجنا راه مردومين تحت التراب، واحنا غير ربي اللي سترنا، ودابا بغيت نمشي غير للخيرية نتستر فيها أنا وبنياتي، ما داها فينا حد»، بكلمات تشبه الحشرجة وصوت تخنقه العبرات بشكل ينفطر له القلب، كانت مي مينة  الطاهري تسرد تفاصيل معاناتها وهي متكومة فوق أنقاض بيتها المتهدم بدرب الكدية بحي تابحيرت بالمدينة العتيقة لمراكش.

بجانب المرأة المفجوعة في بيتها، كانت تنتصب جارتها أمينة موليدي رفقة شقيقاتها تنظر بعيون شاردة، وكأنها فقدت بوصلة الإحساس بالزمان، قبل أن ينفجر لسانها بنبرة يكسوها الانكسار والإحساس بالضياع، وتخرج الكلمات مندفعة من بين ثنايا شفتيها «فين غادي نمشيوا أعباد الله، راه احنا ستة ديال الخواتات والوالدة مشلولة، وكل شي داه الردم».

فصول المعاناة انطلقت ليلة الإثنين في حدود الحادية عشرة والنصف، حين كانت ساكنة درب الكدية منزوية داخل بيوتها المتواضعة بهذا الحي المنذور لحياة الفقر والتهميش، فيما الأسر القاطنة بالمنزلين رقم 54 و55 متكومة على نفسها، قبل أن تشرع الجدران المتهالكة في إصدار طقطقة مرعبة، نبهت الجميع إلى ما يحيط بهم من عوادي الخطر المحدق، لينطلق الجميع خارجا وعلامات الرعب مرتسمة على الوجوه، وعندما كاد البيتان يخلوان من سكانهم دشنت عملية انهيار شامل حولت البيتين إلى أثر بعد عين.

 ارتفعت سحابة غبار كثيفة وعمت الفوضى المكان، ولا يكاد يسمع سوى صرخات استغاثة وكل يجاهد للاطمئنان على بقية أفراد الأسرة، والتأكد من نجاتهم وعدم محاصرتهم داخل الأنقاض.

ساعات رعب حقيقية عاشها الجميع، قبل أن تشرع نسمات الاطمئنان في التسرب للقلوب لتحل مكانها مشاعر الحيرة والارتباك، وقد انتبه الكل إلى ضياع الأفرشة والمتاع وكل مدخرات العمر، بعد أن طمرت الأتربة كل محتويات المنزلين، وأصبح أصحابها خارج تغطية السكن وعرضة للتشرد والضياع.

أمي مينة ضحية الانهيار الأول لم يتوقف لسانها منذ حادثة الانهيار في سرد معاناتها مع أهل الحل والعقد، وكيف تم تصنيف بيتها ضمن المنازل الآيلة للسقوط، مع الوعد باستفادتها من مشروع الإنقاذ وتمكينها من غلاف مالي لإصلاح ما أفسده الدهر وترميم جدران بيتها، غير أنها ظلت تنتظر طيلة ثلاث سنوات دون جدوى والجهات المسؤولة لا تتفك ترميها بالوعود العرقوبية، إلى أن كانت ليلة الانهيار  وقد اتسعت الشقوق والشروخ على الجدران، فحل تقني مكلف بالسهر على تدبير هذا النوع من الملفات، حيث فاجأ المرأة بقوله «تنصحكم غير هربو من هاذ الدار، راه غادي تريب عليكم».

وإذا كانت واقعة الانهيار قد كشفت في بعض تفاصيلها عن الطريقة التي ظلت الجهات المسؤولة محليا، تعتمدها في مواجهة هذا النوع من القضايا الشائكة، بعد أن ظلت المرأة طيلة السنوات المذكورة تتحامل على سنوات عمرها المتقدمة، لتطوف على مختلف المصالح والإدارات (الولاية، البلدية، مديرية الإسكان..)، لوضعها في صورة ما بات يتهدد حياتها وحياة الجيران من حولها، والمطالبة بالتدخل لتدارك الخطر قبل وقوعه، لتظل  معها كل نداءاتها  وتوسلاتها مجرد صيحة في واد، قبل أن تحين لحظة الصفر وتودي بالبيت مدارك الانهيار.

بالمقابل فالواقعة قد عرت عن فشل خطة ومشروع الإنقاذ، الذي غالبا ما اتخذه البعض مطية لتبوؤ  مواقع المسؤولية، وتسلم  المناصب المريحة خصوصا بالمجالس المنتخبة، لتبقى بعدها مئات الأسر تجتر واقع عيش مرير، تحت جدران بيوتات حولتها عوادي الزمن وقلة ذات اليد، إلى قنابل موقوتة قابلة للانفجار في وجوه قاطنيها في أي لحظة وحين.

مئات الأسر المراكشية، تعيش اليوم تحت رحمة هذه «القنابل الموقوتة» دون أن تملك لنفسها خيارات معقولة، خصوصا وأن أغلبها من الأسر الفقيرة التي بالكاد تضمن قوت يومها.

وقد عملت الدولة في إطار مشاريعها التنموية الضخمة، على تدشين مجموعة من المشاريع التي تروم الحد من استمرار تناسل الظاهرة، في أفق تخليص بهجة الجنوب من شرنقة العالق منها، مع تخصيص ميزانيات ضخمة، حيث تم تصنيف المنازل والبيوتات الآيلة للسقوط، حسب درجة الخطورة من فئة ألف إلى فئة باء وسين، وأعطيت الأسبقية للفئة الاولى، و تم تخصيص بعض الأغلفة المالية حددت في مبلغ 20 ألف درهم لكل أسرة، على أساس أن يتم إفراغ المنازل المعنية وإنجاز الإصلاحات والترميمات المطلوبة بناء على رخص إصلاح تم إصدارها في هذا الصدد، قبل العودة للاستقرار بين جدران هذه البيوت، بعد التأكد من إزاحة مكامن الخطر.

لم تسلم العملية من ذيول الاختلالات والتواطؤات التي انتهت بلهف كل الميزانية المرصودة، وإجبار الساكنة المستهدفة بالبقاء رهن بيوتاتها المتداعية في انتظار حلول الأسوأ.

 

إسماعيل احريملة / تصوير: عبد النبي الوراق