عبد اللطيف جبرو مدرسة رائدة في الصحافة الوطنية

ذ/ محمد السعيدي السبت 12 نوفمبر 2022
EB288DF5-1346-45F7-A93C-44BF104AFAE9
EB288DF5-1346-45F7-A93C-44BF104AFAE9

AHDATH.INFO

يعتبر عبد اللطيف جبرو مدرسة رائدة في الصحافة الوطنية بمكوناتها الإبداعية، ومناهجها الإعلامية . تتميز بخصائص فنية و أدبية شكلا و مضمونا و آية ذلك أن كتابته - وقد أسعدني الحظ بالاستمتاع بروائها مند عقود من الزمن- لامست خلالها تعاطيا مع الأحداث والوقائع بشمولية رؤاه، ودقة تعابيره، إلى درجة يتحول عبرها إلى مؤرخ وارف وموثق رائد، بالرغم من كون هذه الرؤى تكتسي صبغة أيديولوجية شفافة تشي بقناعة صاحبها التماهي في ضفة اليسار الديمقراطي اصطفافا تنبئ به تحقيقاته ومقالاته الصحفية قديما عبر التحرير/المحرر، مجلة الأطلس وحديثا عبر الاتحاد الاشتراكي ثم الأحداث المغربية أخيرا،  وعبر إصداراته الجزلة الموثقة.

عبد اللطيف جبرو

فهو كاتب ملتزم بقضايا وطنه وفي أشد الوفاء لقيمه السياسية، لا يحيد عنها. مخلص أعمق الإخلاص لأساتذته الزعماء الذين تربى على أيديهم وهو فتى أو شاب في مقتبل العمر، ونهل من معينهم حب الوطن و التفاني في خدمته، رافقهم ولازمهم مصاحبة طويلة محتكا بهم، سابرا أغوار توجهاهم، مستمدا من نبل شيمهم وسمو خلقهم، مما جعله يتأثر بهم كل الأثر، ويعرفهم حق المعرفة مما هيأه لإصدار مؤلفات سير ذاتية عن أغلبهم، بأسلوب رائق، يعتمد التكثيف في التوصيف، والتشويق في السرد، وتبيان حقائق ظلت إلى اليوم مجهولة في حياتهم: مؤلفا عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي نموذجا.

وبذلك يسم عبد اللطيف جبرو ومؤلفاته بطابع الجدية، بتسليطه الأضواء على هذه الوقائع التاريخية ذات الدلالات المعبرة، والأبعاد القيمية ..

وهو بكل موضوعية علمية ونزاهة فكرية، يعتبر ذاكرة وطنية، مرجعية/ وثائقية عز نظيرها. تتميز بتدقيق فائق، وضبط شديد. يتوسل في كتاباته مناهج المقارنة، والمقابلة والمطابقة للمواقف المتخذة والآراء - المعبرة عنها، بقراءات نقدية لا تخلو من تشريح سياسي، و تأويل فكري كما حدث مع مؤلفه القيم عن المفكر والسياسي عبد الهادي بوطالب.

وليس من شك في أن عبد اللطيف جبرو كزملائه الصحافيين، الكبار أمثال محمد البريني وعبد الكريم غلاب ومحمد عابد الجابري وعبد الرفيع الجواهري ومحمد أديب السلاوي وعبد الجبار السحيمي ومحمد العربي المساري وغيرهم ممن غفلت عن ذكر أسماهم ، هم جميعهم في حاجة لمن يتشرف بإنجاز دراسات مفصلة موسعة عما قدموا للصحافة الوطنية من خدمات جلى، وما أنجزوا من أعمال كبرى، وما أسدوا إليها من ترسيخ للقيم الخلقية النبيلة المثلى، وبكتاباتهم التحليلية النموذجية القيمة التي لا تبلى.

ولتحقيق جزء كبير من هذه التطلعات قصد إيلاء هؤلاء وأولئك ما هم جديرون به من بحث علمي، ودراسات فكرية في غرة كوكبتهم كاتبنا السياسي عبد اللطيف جبر‌و الذي نقوم عبر هذه المقاربة بتحليل مؤلفه الأخير عبد الرحمان اليوسفي، الصادر عن الأحداث المغربية.

إنه ورشة علمية حاولت وأنا أقرأ الكتاب وأعيد قراءته أن أتطرق إلى التوجهات الفكرية لكاتبنا عبد اللطيف جبرو قبل الخوض في القيام بتحليل مؤلفه. فوجدت نفسي أمام تشابه كبير بين القناعات الفكرية لعبد الرحمان اليوسفي وتلك التي هيمنت على فلسفة كاتبنا المبدع، إلى درجة اعتقدت فيها بأن تماهيا في المواقف المختلفة، والمرتكزات الفكرية قد حصل/ يحصل بين الكاتب الصحفي والزعيم السياسي بشكل سلس ولين. وهذا ما سأعمل على تبيانه عبر هذه القراءة المقارباتية.

قراءة في العنوان

عناوين المؤلفات تشكل عتبات لنصوصها، دالة على مضامينها. ذات بنيات تركيبية رمزية. لذلك أولاها الكتاب بليغ عنايتهم، وأسبغ عليها الدارسون والنقاد جميل دراساتهم. من هذا المنطلق و بناء على هذه المعطيات العلمية نقارب مؤلف عبد اللطيف جبرو: عبد الرحمان اليوسفي.

العنوان والغلاف

صورة الغلاف توحي بكون صورتي عبد الرحمان اليوسفي: الأولى و الثانية و قد ارتسمت على وجهه ابتسامتين جميلتين كما كان عليه حاله أيام حياته تدل على وداعته الخلفية في استقبال زائريه. وتأنيه في الإصغاء إليهم _ مهما اختلف معهم _ وصبره في تلقي ما يلقي على مسامعه من آراء وأفكار. وذلك يدل على انفتاح في سلوكه بعيدا عن كل انغلاق – بعيدا عن كل توجه دغماتي.

الصورتان متشابهتان حد التطابق مما يعني أن الرجل ذو وجه واحد، فهو في الصورة الأولى نفسه في الصورة الثانية بلا تبدل ولا تغيير، فليس من شيمه لبس الأقنعة - كما يفصل ذلك عبد اللطيف جبرو في سياق مؤلفه الدقيق- وورود اسمه في مساحة مستطيلة الشكل حمراء اللون، لها معاني الإشراق الروحي و المشاعر الجياشة و الدفء الأخوي. وكتب الاسم باللونين الأسود والأبيض مما يشي بما يعانيه الزعماء في حياتهم من أيام سوداء وأخرى بيضاء أي ما يعانون في نضالهم من مرارة وجلال و من صفاء وجمال في قياداتهم لأحزابهم، وما يعانونه في حياتهم الأسرية من مآس وأحزان : أحمد بلفرح نموذجا.

عبد اللطيف جبرو(كاتب الدراسة) ورد اسما باللون الأسود ودلالة ذلك ما عاناه هذا الصحفي في حياته من محن وما لقيه في مواقفه الثابتة من أهوال !

يبقى السؤال الذي يطل بنفسه على القارئ متجليا في اختيار عنوان الكتاب في جملة واحدة "عبد الرحمان اليوسفي" : جملة اسمية بلا نعوت ولا رتوش. وبما تحمل من طهر الطوية وصفاء المعتقدات.

وهي ذات دلالات لسانية وسميائية، فهي في مفهومها الدلالي يعبر عنها ابن جني، بكونها كلاما مستقلا بنفسه ومفيدا لمعناه وفي معناها البنيوي كلمات مركبة عند ديسوسير. ولدى اللسانيين تتميز بالثبوت والاستمرارية- وفي قراءة سميائية تختزل كل الملفوظات التي يفصل فيها القول الكاتب تفصيلا عبر مؤلف عبد الرحمان اليوسفي.

وليس من شك في أن هذا التوجه الفكري للكاتب المؤرخ والصحافي عبد اللطيف جبرو، المتجلي في إصداراته المتميزة بالدقة التي عرف بها، والشمولية التي طبعت أساسية والذاتية الصحافية التاريخية، المعبرة عن الذوات الوطنية الأخريات التي هيمنت على كتاباته تتوج بكل صدق شيمه الخلقية التي تربى عليها، ونشأ في ظلالها وطنيا قحا متمسكا بالثوابت تمسكا صوفيا في كل مواقفه، إبداعاته، كتبه، مقالاته.

وهو تمسك نشأ وتربا معه قبل الاستقلال بمدارس محمد الخامس وبعد الاستقلال بمختلف المنابر التي ناضل عبرها بصدق وأمانة وتفان في خدمة وطنه الحبيب وملوكه الأمجاد، عبرها بوفاء لقيمة الفضلى ومثله العليا.

ويعبر عبد اللطيف جبرو ومدرسة في المقالة السياسية العربية بدربة متمرس، وحنكة الأديب، وحصافة المؤرخ، إذ تعتبر نموذجا للدارسين والباحثين لتبيان خصيصتها الصحافية والتعمق في منهجيتها الفنية، وتدبر تجنيسها فهي تصنف في خانات المكثف الممتع، والتاريخ المصنف والبيان المفصل ولطلبتنا في كلية الآداب والمدارس العليا أوفر حظ لإعداد أطاريح بحوثهم تعمقا واستنتاجا وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

لقد انتهجت أكاديمية المملكة المغربية نهجا علميا تكريميا، لا يخلو من دلالات إنسانية، ومرامي ادبية وقامت بتخصيص تأبين أكاديمي لأحد كبار الصحفيين المرحوم عبد الله الستوكي. لقد كانت سويعات ذهبية هيمنت فيها روح المحتفى بإنجازاته الفكرية الصحافية. نعم المشهد، وطوبى للذين ساهموا فيه بمداخلاتهم الرائعة.

لكن، ألا يجمل ويطيب ويحلو أن تقوم أكاديميتنا بالاحتفاء بهؤلاء الرموز الأحياء في حيواتهم امثال محمد البريني، عبد اللطيف جبرو، محمد الصديق معنينو، عبد الرفيع جواهري، وبذلك ستضيف الأكاديمية إلى سجلاتها صفحات تفور مسكا وتنبع عطرا.