يمني : تراجعات الدرهم ليست أزمة عملة وهذه آثارها على الاقتصاد والقدرة الشرائية

بواسطة الإثنين 12 أكتوبر, 2026 - 21:17

يعيش الدرهم المغربي على وقع تراجعات متتالين أهم أقوى عملتين دوليتين. الدولار الأمريكي والأورو. في هذا الحوار نستطلع مع الاقتصادي وخبير السياسات العمومية، عبد الغني يومني، أسباب وإنعكاسات هذه التطورات على الاقتصاد وعلى القدرة الشرائية.

1 يعيش الدرهم على وقع انخفاضات متتالية منذ أشهر أمام كل من الدولار الأمريكي والأورو. على ماذا يؤشر ذلك؟

أعتقد أنه من الضروري في البداية أن نضع هذا التراجع في إطاره الصحيح، وأن لا نقرأه باعتباره دليلا مباشرا على وجود أزمة في العملة المغربية، لأن الدرهم لا يتحرك في نظام صرف حر بالكامل، وإنما في إطار نظام صرف متحكم فيه، حيث يرتبط بسلة مرجعية، 60 في المائة من الأورو و40 في المائة من الدولار، ويتحرك داخل نطاق تقلب لا يتعدى نسبة 5 في المائة صعودا وهبوطا .وبالتالي، فإن جزءا من التحركات التي نلاحظها أمام الدولار واليورو، وذلك منذ سنة تقريبا بين هاتين العملتين، ليس فقط بعوامل داخلية خاصة بالاقتصاد المغربي، وهذا تحديدا أحد الأمور التي حاولت أخذها بعين الاعتبار في الدراسة التي تقدمت بها، في قراءة بين الأورو والدولار بشكل منفصل وتعطينا صورة غير مكتملة عن حقيقة حركة الدرهم.
لكن في الوقت نفسه، هناك عوامل داخلية ينبغي أخذها بجدية، وعلى رأسها ارتفاع الطلب على العملة الصعبة. فعندما ترتفع الواردات وخصوصا الطاقية بوتيرة أسرع من الصادرات ويتسع العجز التجاري، وعندما أقول الطاقية فهناك البنزين وهناك الغازوال وهناك أيضا البترول وهناك أيضا حاجات أخرى، وتحتاج المقاولات والمستوردون إلى كميات أكبر من الأورو أو من الدولار لتسديد مشترياتهم في الخارج. يتعلق الأمر باحتياج اقتصادي حقيقي يتحول في سوق الصرف إلى أوامر شراء للعملات الأجنبية، وبالتالي يمكن أن يخلق ضغطا على الدرهم داخل نطاق التقلب المسموح به، وهذه نقطة مهمة، فالعجز التجاري لا يخفض الدرهم بشكل آلي وإنما يمكن أن يؤثر عليه من خلال الطلب الفعلي على العملات الأجنبية.
والنتائج التي توصلت لها في الدراسة التي قمت بها، نجد علاقة بين تدهور العجز التراكمي وتراجع الدرهم أمام هذه السلة المكونة من الأورو والدولار، وممكن أن نقول إن العلاقة هي سببية ونهائية بين العجز وبين العلاقة بين الأورو والدرهم، وأيضا بين العجز التجاري بالنسبة للواردات المغربية، رغم أن هناك50 مليار دولار كاحتياطيات يمتلكها المغرب.

2 ما هي انعكاسات ذلك على الاقتصاد وعلى القدرة الشرائية؟

أهم قناة يمكن أن ينتقل من خلالها تراجع الدرهم إلى الاقتصاد المغربي هي التضخم المستورد، فالمغرب يستورد جزءا مهما من حاجياته من الخارج، ودول الخارج تعيش بدورها على وقع التضخم. يتعلق الأمر بالطاقة والمواد الأولية أو السلع الوسيطة أو التجهيزات، وعندما يحتاج المستورد إلى عدد أكبر من الدراهم للحصول على نفس الكمية من الأورو والدولار، ترتفع تكلفة الاستيراد بالعملة الوطنية، وهذا طبيعي.
بطبيعة الحال هذا الارتفاع لا ينتقل آليا وبنسبة نفسها إلى المستهلك، هناك عوامل أخرى تتدخل مثل هوامش الشركات والمنافسة والدعم وطبيعة السلعة. الدراسة التي تحدثت عنها من قبل تشير بالفعل إلى انتقال تغيرات سعر الصرف إلى الأسعار الداخلية مما يمكن أن يجعل التضخم أكبر شيئا ما.
لكن إذا كان انخفاض الدرهم مستمرا ومهما فإن جزءا من ارتفاع تكلفة الاستيراد يمكن في النهاية أن يصل إلى أسعار المستهلك وهنا يبدأ التأثير المباشر على القدرة الشرائية.
كما أن التأثير يختلف من قطاع إلى آخر، المقاولات التي تعتمد بكثافة على المواد الأولية والمعدات لديها ثلاثة خيارات تقريبا. إما أن تتحمل جزءا من الزيادة على حسابها، أو ترفع أسعار البيع، أو تجمع بين الأمرين، وفي الحالتين يمكن أن تكون انعكاسات على الاستثمار والنشاط الاقتصادي والأسعار والتضخم.
لكن الصورة ليست سلبية بالكامل، فبالنسبة لبعض المصدرين الذين يحصلون على مداخيل بالأورو أو بالدولار بينما يتحملون جزءا من تكاليفهم بالدرهم، يمكن أن يؤدي ضعف العملة الوطنية إلى تحسين تنافسيتهم.
وهناك نقطة أعتبرها أساسية في التحليل. يتعين أن ننظر إلى طبيعة الواردات وليس فقط إلى قيمتها الإجمالية. فإذا كان هناك اتساع العجز ناتج، أساسا، عن استيراد الطاقة أو السلع الاستهلاكية، فإن الضغط الخارجي سيكون أكثر إشكالية على القدرة الشرائية للمغاربة. أما إذا كان جزء من ارتفاع الواردات مرتبطا بالآلات والتجهيزات والاستثمار، فقد نتحمل ضغطا على ميزان التجارة وعلى العملة على المدى القصير، ولكن لا أظن أن الأشياء ستكون على المدى القصير، فإن الورادات ستتحمل وقتا طويلا ربما ستة أشهر أو سنة هذه الضغوط. إذن بالنسبة للقدرة الشرائية فالمشكلة ليست في انخفاض محدود للدرهم، وإنما في احتمال استمرار هذا الانخفاض وانتقاله تدريجيا إلى المشكل العويص وهو مشكل التضخم المتراكم.
السؤال في نهاية المطاف ليس مغربيا بل عالميا. العالم كله ضحية لما يجري من تراكمات جيوسياسية. عندما نتحدث اليوم عن التضخم يجب أن لا نختزلها فقط في تراجع سعر صرف الدرهم، هناك في الواقع عاملان يمكن أن يتراكما: أولا العامل النقدي المرتبط بسعر الصرف، والعامل الجيوسياسي المرتبط بارتفاع تكلفة التجارة والطاقة على المستوى الدولي.
أولا: عندما يتراجع الدرهم أمام الأورو والدولار تصبح الواردات أكثر تكلفة بالعملة الوطنية، والمغرب يستورد جزءا من حاجياته من الطاقة والمواد الأولية والسلع الوسيطة والتجهيزات، فإن استمرار تراجع الدرهم يمكن أن يؤدي إلى ما يسمى بالتضخم المستورد، أي انتقال جزء من ارتفاعه إلى القدرة الشرائية للمواطن، هذا عرفناه في 2022 و2023.
لكن اليوم هناك عامل ثان لا يقل أهمية وهو أخطر، وهو العامل الجيوسياسي. فالاضطرابات الجيوسياسية لا تؤثر فقط على سعر النفط والغاز والبنزين والغازوال، وإنما يمكن أن تؤثر على سلسلة التجارة الدولية بأكملها. إغلاق أو تعطيل المضايق والممرات البحرية الاستراتيجية وتضرر المصافي ومنشآت الطاقة واضطراب حركة ناقلات النفط والغاز، كلها عوامل يمكن أن تقلص العرض وترفع تكلفة نقل الطاقة والسلع. ويضاف إلى ذلك تكاليف التأمين البحري لأن شركات التأمين تعيد تقييم المخاطر عندما تمر السفن وناقلات الطاقة عبر مناطق تشهد توترات باب المندب وهرمز مثلا، وإذا اضطرت السفن إلى تغيير مساراتها فإن هذه الرحلات واستهلاك الوقود وتكلفة الشحن ترتفع أيضا.
وبالتالي يمكن أن نواجه صدمة مزدوجة. من جهة ترتفع الأسعار الدولية للطاقة والنقل والتأمين، ومن جهة أخرى تراجع الدرهم أمام العملات وهما مرتبطان، وهذا مهم جدا بالنسبة للمغرب لأن ارتفاع فاتورة الطاقة يمثل خروجا إضافيا للعملة الصعبة.
لكن لا يمكن أن نقول بأن ارتفاع الأسعار سببه الدرهم.

3 لكن في المقابل، نلاحظ أن هذه التطورات تتزامن مع ارتفاع لافت لاحتياطيات المملكة من العملة الصعبة. هل يتعلق الأمر بمفارقة ما تفسيركم لذلك؟

بالفعل. هذه التطورات تتزامن مع ارتفاع لافت لاحتياطيات المملكة من العملة الصعبة فهل هي مفارقة؟ لا هي ليست مفارقة وهذه النقطة مهمة جدا لأنها قد تبدو لأول وهلة كمفارقة. كيف يمكن للدرهم أن يتراجع في الوقت الذي ترتفع فيه احتياطيات المملكة من العملة الصعبة؟
في الواقع ليست هناك مفارقة، إذ ميزنا بين مفهومين. أولا المخزون والتدفقات، الإنجليزيون يسمونها Flow and Stock. احتياطيات الصرف هي مخزون من الأصول الخارجية يشكل هامش أمان للاقتصاد. ووفق البيانات التي استخدمتها في دراستي بلغت الاحتياطيات الدولية الرسمية 499.8 مليار درهم في غشت 2026 مقابل 498 مليار في يوليوز، وبالتالي فنحن لا نلاحظ استنزافا للاحتياطيات بل على العكس هو مستوى مستقر ومتزايد. وهذا عنصر أساسي لأن الأزمات التقليدية للعملات عادة ما تكون مصحوبة بضغوط على العملة، وهذا ما رأيناه في لبنان وفي الأرجنتين وفي فنزويلا وفي تونس، وهذا ما يفسر تدخلات متزايدة للبنك المركزي ثم انخفاض متواصل في الاحتياطيات.
لكن سعر الصرف يتحدد أيضا من خلال التدفقات، أي من خلال التوازن الهامشي بين من يطلب العملة الصعبة ومن يعرضها في السوق. فعندما تحتاج الشركات المغربية إلى المزيد من الأورو والدولار لتسديد فواتير الطاقة وشراء السلع والتجهيزات من الخارج، يرتفع الطلب على العملة الصعبة ويمكن لهذا الطلب أن يدفع الدرهم نحو الجانب الأضعف من نطاق تقلبه، وهذا هو المشكل الذي يعيشه المغرب اليوم، لذلك ليست هناك كما قلنا مفارقة بين المخزون والتدفقات. في الوقت ذاته يمكن للمغرب أن يحصل على تدفقات مهمة من العملة الصعبة أبرزها السياحة، تحويلات مغاربة العالم، الاستثمارات الأجنبية المباشرة والصادرات والتمويلات الخارجية وكذلك صادرات الفوسفاط ومشتقاته.
لكن رغم وجود ضغوط في السوق على سعر الصرف، وهذه تحديدا هي ثنائية المخزون والتدفق التي أؤكد عليها في دراستي، لذلك يمكن أن يحدث الأمران في الوقت نفسه. أولا احتياطيات مرتفعة أو متزايدة من جهة، وضغط على الدرهم نتيجة ارتفاع الطلب الهامشي على الأورو والدولار من جهة أخرى، وهذا الطلب مرتبط بالبترول والغاز والبنزين وكذلك الغازوال، علما بأن ارتفاع الاحتياطيات مهم جدا في التشخيص لأنه يجعل الحديث عن أزمة كلاسيكية في ميزان المدفوعات غير مدعوم بالمعطيات الحالية إذ في أزمة صرف تقليدية نتوقع أن نرى أن البنك المركزي يستنزف احتياطياته بشكل متواصل، لكن هذا المشكل غير وارد بالنسبة للاقتصاد المغربي وليس هناك استنزاف.

4 ونحن على أبواب حكومة جديدة. ما الذي يتعين فعله؟

في اعتقادي، أول شيء يجب تجنبه هو التعامل مع سعر الصرف كهدف في حد ذاته، فالمعطيات الحالية لا تشير إلى أزمة تتطلب الدفاع على مستوى معين للدرهم مهما كان الثمن. لأن السؤال الأهم بالنسبة للحكومة هو الإجابة على السؤال الآتي. ما الذي يولد هذا الطلب المتزايد على العملة الصعبة؟ وكيف يمكن تقوية قدرة الاقتصاد المغربي على توليد الأورو والدولار بشكل مستدام وذلك عبر الصادرات؟
المحور الأول يتعلق بالميزان التجاري، المطلوب ليس فقط خفض الواردات لأن جزءا منها ضروري للاستثمار والنمو وكذلك لمشاريع المغرب بالنسبة لمونديال 2030، ولكن يجب تحسين تركيبتها ورفع قدرة الاقتصاد على التصدير. لذلك يجب التمييز مثلا بين استيراد الطاقة والسلع الاستهلاكية وبين استيراد الآلات والتجهيزات. وهذه المعضلة كانت قد عرفتها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا سنة 2022. في فرنسا وصل العجز إلى 176 مليار أورو، نتيجة استهلاك الطاقة، وبما أنها دولة يمكن أن تنتج الطاقة عبر صناعتها النووية السلمية. دراستي تؤكد أهمية هذه التفرقة لأن الأثر الاقتصادي لنفس قيمة العجز يمكن أن يكون مختلفا حسب طبيعة الواردات، مثلا في دول إفريقيا جنوب الصحراء طبيعة الواردات استهلاكية وهي خطر وممكن أن تكون لها مشاكل على مخزون الصرف.
المحور الثاني هو تقليص التبعية الطاقية، لأن فاتورة الطاقة تمثل طلبا مباشرا على العملة الأجنبية وذلك منذ سنين للمغرب، وقد تفاقم ذلك بعد أن أوقفت لاسمير عملها وهذا فاقم المشكل. ويمكن أن تتفاقم آثاره عندما ترتفع أسعار الطاقة عالميا أو يتحرك الدولار. وكلما تمكن المغرب من خفض هذه التبعية وإنتاج الطاقة الكهربائية بمنتوجات بديلة، يمكن أن يحل المشكل وتكون مصادر الضغط الهيكلي أقل خطرا.
المحور الثالث هو تعزيز مصادر دخول العملات الأجنبية. الصادرات، السياحة، تحويلات مغاربة العالم، والاستثمار الأجنبي المباشر. وهنا من المهم أن لا ننظر فقط إلى العجز التجاري لأن ميزان المدفوعات أوسع بكثير، ويمكن لبلد أن يسجل عجزا تجاريا كتركيا مثلا ومع ذلك يحافظ على وضع خارجي متوازن، فتركيا تصدر أكثر من 100 مليار دولار والمغرب يصدر 50 مليار دولار.
أما بالنسبة للسياسة النقدية وسياسة الصرف، فأعتقد أن المطلوب هو الاستمرار في مراقبة حركة الدرهم داخل نطاق ±2.5 في المائة، وعدم الوقوع في فخ تحرير الدرهم 100 في المائة لأنه سيصبح سلعة، ولا يجب أيضا أن نستنزف مخزون العملة الصعبة للدفاع عن سعر الصرف، هذا خطأ كبير.
إلى جانب ذلك يجب مراقبة انتقال انخفاض الدرهم إلى التضخم، فإذا بدأنا نلاحظ انتقالا قويا ومستداما من سعر الصرف إلى الأسعار، التضخم النقدي، تصبح المسألة مرتبطة مباشرة بالقدرة الشرائية للمغاربة، وهنا يصبح التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية وسياسات المنافسة وسياسة الدعم للعائلات الأكثر هشاشة مهما. إذن التحدي على الحكومة المقبلة لا يتمثل في كيفية المحافظة على قيمة الدرهم، بل كيف نبني اقتصادا أكثر قوة ومجتمعا أكثر قوة من خلال التصدير والسياحة والاستثمار وأيضا الدولة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وهو ما أسميه بـ la justice économiqueيعني العدالة الاقتصادية بين كل فئات المغاربة.

آخر الأخبار

بالصور..الأسود يستهلون كان الفوتسال برباعية ضد المنتخب الجزائري
استهل المنتخب الوطني المغربي للفوتسال داخل مشواره في كأس إفريقيا بفوز كبير ومستحق على نظيره الجزائري، بنتيجة أربعة أهداف دون رد، في مباراة شهدت سيطرة ميدانية مطلقة للأسود. ودخل العناصر الوطنية أطوار اللقاء الذي احتضنته القاعة المغطاة التابعة للمجمع الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط بضغط هجومي مكثف وبناءات تكتيكية محكمة، أسفرت عن إنهاء الشوط […]
وزارة الثقافة تنعي الكاتب المسرحي المغربي عزيز السغروشني
نعت وزارة الثقافة والشباب والتواصل الكاتب المسرحي والمثقف المغربي القدير، عزيز السغروشني، الذي توفي أمس الأحد، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإسهام في خدمة الثقافة والفنون المسرحية بالمغرب. وجاء في نعي الوزارة أن الفقيد “يعد من الوجوه البارزة التي أسهمت في إثراء المشهد المسرحي الوطني، حيث تولى سنة 1964 إدارة المسرح الوطني محمد الخامس بالرباط، ليصبح […]
مافيا الرمال تسطو على مقالع عشوائية بإقليم العرائش
تحولت عدد من الكتبان الرملية بتراب إقليم العرائش إلى مقالع عشوائية لاستخراج الرمال، حيث تتعرض إلى السطو بشكل رهيب، ليل نهار، على مرأى من الجميع، وذلك بمختلف وسائل النقل من شاحنات كبيرة وجرارات وتريبورتورات. ويبدو أن عمليات السطو على أكوام الرمال بمحيط غابة لايبيكا بمدينة العرائش، وكذا مناطق محسوبة على تراب الجماعة القروية العوامرة بالإقليم، […]