يمني..المغرب وفرنسا ينتقلان لشراكة غير تقليدية وهذه أولوياتها

بواسطة الخميس 23 يوليو, 2026 - 14:26

حاوره أحمد بلحميدي

في الوقت الذي يتم الحديث عن توقيع  معاهدة استثنائية بين البلدين، احتضن المغرب، مؤخرا، أشغال النسخة 15 للاجتماع رفيع المستوى المغربي- الفرنسي، ترأسه كل من رئيس الحكومة، عزيز أخنوش،ونظيره الفرنسي سباستيان لوكورنو. هذا الاجتماع أسفر عن توقيع 14 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة 11 مليار أورو.في هذا الحوار، نستجلي مع  عبد الغني أستاذ الاقتصاد والخبير في العلاقات الاقتصادية بين الرباط وباريس، أبعاد وسياق هذا الاجتماع رفيع المستوى.

احتضن المغرب، مؤخرا، أشغال الاجتماع رفيع المستوى بين الرباط وباريس. كيف تقرأون السياق والأبعاد  لهذا الاجتماع؟

كما ذكرتم، يعد هذا الاجتماع، رفيع المستوى الخامس عشر من نوعه، علما بأن أول نسخة كانت قد انعقدت في سنة 1997، غير أن الاجتماع الأخير الذي احتضنته الرباط، ينعقد في سياق دولي يعرف تصاعد عدم اليقين والتقلبات الجيو-سياسية وقانون دولي فاقد لفعاليته،وأصبح في كثير من الحالات فاقداا لمشروعيته. أضف إلى ذلك التقلبات المتسارعة في عدم استقرار أسعار المواد الأولية وتعطل حركة النقل اللوجستية البحرية في الممرات البحرية الدولية، وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط والبحر الأحمر. لذلك تم التركيز خلال هذا  الاجتماع رفيع المستوى على الاقتصاد والصناعة والأمن والدفاع والثقافة والتكوين والهندسة الجيوستراتيجية بين المغرب وفرنسا، بما يخدم السيادة  الاقتصادية لكلا الدولتين، وكذلك الأمن الطاقي والتكنولوجي، فيما يعكس  انعقاد هذه الاجتماعات التي ترأسها الوزير الأول المغربي والوزير الأول الفرنسي، بالإضافة إلى 12 وزيراً من كلا البلدين، إرادة سياسية مشتركة للارتقاء بالعلاقات الفرنسية المغربية من شراكة فاعلة لكن تقليدية إلى معاهدة صداقة استثنائية وغير مسبوقة تماثل المعاهدات التي تربط  فرنسا مع دول أخرى كإيطاليا وإسبانيا وألمانيا، وكانت كلها دولاً أوروبية.هذه الصداقة الاستثنائية، يتم الآن ترجمتها على أرض الواقع، إذ أسفر الاجتماع الأخير الذي دام ليومين، عن  التوقيع على 14 اتفاق تعاون ومذكرة تفاهم بقيمة مالية تجاوزت 11 مليار أوور.

تمثل السيادة على المستويات الصناعية والطاقية والتكنولوجية والغذائية أحد الأولويات التي يركز عليها المغرب في ظل التحديات و المتغيرات الكبيرة التي يشهدها العالم . ألم يحن الوقت للارتقاء بالشراكة الحالية بين المغرب وفرنسا إلى مستويات أخرى، بما في ذلك نقل التكنولوجيا، بما يخدم السيادة الاقتصادية بالبلدين؟

لا يمكن الحديث اليوم عن شراكة استراتيجية حقيقية دون أن تتجاوز منطق المبادلات التجارية الذي بُني على متلازمة الاقتصاد الريعي وتصدير المواد الخام والمنتجات الفلاحية مقابل استيراد المنتجات المصنعة والتكنولوجيا، وهي السمة التي طبعت لعقود العلاقات بين اقتصادات دول الشمال ودول الجنوب.الاقتصادي الأمريكي داني رودريك يدافع على نموذج التقارب التكنولوجي الذي يمكن الاقتصادات الصاعدة من تسريع انتقالها الصناعي والتكنولوجي من خلال إقامة شراكات أكثر توازنا بين الدول الصناعية والدول الناشئة، بخلق القيمة المضافة ونقل التكنولوجيا،وهذا ما أسسته الشراكة المغربية الفرنسية على مراحل، وبشكل تدريجي. منذ سنة 2015 استفاد المغرب في صناعة السيارات، من 3.2 مليون ساعة من التكوين التكنولوجي الحرفي في معهد تكوين صناعة السيارات بطنجة، وكذلك في معاهد فرنسية.اليوم معامل الصناعات بمدينة القنيطرة ومدينة طنجة تصنع سيارات كهربائية، وكذلك استفاد التقنيون المغاربة في ميدان صناعة الطيران من التكوين التطبيقي في الكفاءة التكنولوجية بفرنسا.بالمغرب  في كل من مجمعات “أواسر” للطيران، وكذلك في مجمعات فرنسية بمدينة تولوز، وكذلك المجمع التكنولوجي لآلستوم بنفس الذي يكون في صناعة النقل السككي وتصنيع القطارات والمعدات. الأمر يتعلق إذن بملايين  الساعات من التكوين ومن نقل التكنولوجيا من فرنسا إلى المغرب.إضافة لذلك،تعد فرنسا اليوم هي المشغل الأجنبي الأول بما يضاهي 150 ألف فرصة عمل، معظمها في الصناعات المتقدمة والتكنولوجية، وهناك 300 ألف منصب شغل غير مباشر.كما أن هي المستثمر الأول بـ9.8 مليار يورو من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المغرب، وهي فرنسية، فيما توجد في المغرب أكثر من 1300 شركة فرنسية، بما فيها العملاقة في ميدان التكنولوجيا والطيران والسيارات. من الأمثلة الدالة كذلك على الانتقال إلى شراكات غير تقليدية، قرار  المغرب وفرنسا إنجاز مشروع الربط الكهربائي المباشر بهدف تصدير الكهرباء المنتجة من مصادر الطاقة المتجددة في المغرب، علما أن المملكة تولي اهتماما كبير بنقل الطاقة باعتبارها مصدر إنتاج كهرباء نظيفة ومنخفضة التكلفة، مما يعزز أمنه الصناعي ويدعم انتقاله نحو اقتصاد منخفض الكربون.

في ظل تقلبات  السياق الدولي. ماهي القطاعات التي بات من الضروري  التركيز عليها خلال المرحلة المقبلة؟

تمثل السيادة الصناعية والطاقية والتكنولوجية والغذائية اليوم إحدى الأولويات الاستراتيجية لمنظومة الإقلاع الاقتصادي للمملكة المغربية.وفرنسا تشاطر المغرب هذا المشروع لأن المغرب يعتبر ركيزة للمشروع الأورو-إفريقي لفرنسا ولأوروبا. المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون قاطرة للانتقال إلى نقل التكنولوجيا، والتصنيع، وتعزيز البحث والتطوير، وتشجيع تنقلات الكفاءات العلمية والطبية والتكنولوجية، والارتقاء بجودة تكوين المهندسين، إلى جانب إنشاء حاضنات ومراكز ابتكار علمية مشتركة تجمع الباحثين والجامعات والمقاولات الفرنسية والمغربية، إلى جانب بناء جيل جديد من نقل التكنولوجيا يمكن أن يُفعل من خلال خلق صندوق مغربي فرنسي لتمويل المشاريع الصناعية، والصناعات الرقمية والتكنولوجية، والنقل المعرفي في الصفقات الكبرى، وإنشاء مختبرات ومراكز هندسة مشتركة في مجالات السيارات الكهربائية، والبطارية، والطيران، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والطاقة بما فيها الهيدروجين الأخضر.لكن تحقيق هذه الأهداف، يتطلب توسيع منح تأشيرات التنقل لفائدة المزيد من الطلبة والباحثين والمهندسين ورواد الأعمال والمسؤولين الصناعيين. في هذا الإطار أشير إلى أن المصالح القنصلية الفرنسية بالمغرب تمنح حاليا 300 ألف تأشيرة، وربما يمكن أن يرتفع هذا الرقم إلى  450 ألف أو 600 ألف تأشيرة، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى الإقلاع الاقتصادي والتكنولوجي الذي يعرفه المغرب، فضلا عن تحسن مداخيل الأسر المغربية.من ناحية أخرى، يتعين تبسيط الإجراءات من قبيل عمل وإقامة وتنقل بالنسبة للفرنسيين ذوي الكفاءات والمستثمرين، إذ رغم  عمق العلاقات التاريخية بين المغرب وفرنسا، لا يتجاوز عدد الفرنسيين المقيمين في المغرب 5500، بينما يصل عددهم بلندن بالمملكة المتحدة، فعددهم 300 ألف.

فرنسا حسمت موقفها من سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية للمملك بشكل واضح لا لبس فيه. هل سيترجم ذلك إلى دعم وتمويل المشاريع الكبرى  من قبيل الموانئ والطاقات المتجددة؟

إن الموقف الفرنسي الداعم لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية يشكل تحولاً استراتيجياً في العلاقات الثنائية، ومن الطبيعي أن ينعكس هذا التقارب السياسي على مستوى التعاون الاقتصادي والاستثماري.فوضوح المواقف السياسية يعد عاملاً أساسياً في تعزيز ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية.وقد أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا التوجه بشكل صريح عندما أعلن أن حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان في إطار السيادة المغربية، وهو موقف يعكس انتقالاً من مرحلة دعم جهود الأمم المتحدة إلى مرحلة الاعتراف الواضح بمغربية الصحراء كأساس لبناء شراكة استراتيجية بين المملكة المغربية وفرنسا، والمملكة المغربية والاتحاد الأوروبي.هذا الموقف يأتي  في انسجام مع الديناميات الدولية المتزايدة الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، التي وصفها مجلس الأمن في قراره رقم 2756 بأنها الأساس الجاد ذو المصداقية للتوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم وقائم على التوافق.كما لعبت فرنسا دوراً مهماً داخل الاتحاد الأوروبي في دعم استمرار الشراكة مع المغرب، والدفاع عن أهمية الحفاظ على الاتفاقيات الاقتصادية والزراعية واتفاقية الصيد البحري، فضلا عن دعم المشاريع المشتركة.من هذا المنطلق، فإن المرحلة المقبلة ينبغي ألا تقتصر على المواقف السياسية، بل يجب أن تترجم إلى استثمارات ملموسة ومشاريع استراتيجية.كما أن الاستثمار في الأقاليم الجنوبية من طرف فرنسا لا ينبغي أن ينظر ر إليه باعتباره استثماراً في منطقة محلية فقط، بل في بوابة استراتيجية نحو إفريقيا الأطلسية. وبفضل موقعها الجغرافي الأطلسي والمبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، يمكن لهذه الأقاليم أن تتحول إلى منصة لوجستية وصناعية وإنسانية وطاقية تربط أوروبا بغرب إفريقيا،والأسواق الإفريقية الصاعدة وهذا المشروع الأورو- إفريقي  الذي يدافع عنه المغرب وفرنسا، وعليه فإن ترجمة الموقف السياسي الفرنسي إلى شراكة واسعة في الأقاليم الجنوبية هي رسالة قوية تؤكد الاعتراف بالسيادة المغربية وليس مجرد موقع ديبلوماسي بل خيار استراتيجي يندرج في مشروع كبير.

عبد الغني يمني-اقتصادي وخبير في السياسات العامة

آخر الأخبار

مهدي بنسعيد يكتب «الثقافة.. طموح مغربي»
لا يدبر محمد مهدي بنسعيد قطاع الثقافة كمسؤول حكومي فقط، بل يكتب عن الحقل الثقافي مبرزا رؤيته المستقبلية في إطار الدينامية التي يعرفها المغرب وفي ظل عصر التحديات الاقتصادية والجيوسياسية والمناخية الكبرى. تحت عنوان «الثقافة طموح مغربي»، أصدر وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد مهدي بنسعيد كتابا يبرز الإمكانات السوسيوسياسية والاقتصادية والاستراتيجية للثقافة في مغرب اليوم […]
بالصور.. من الوقفة الاحتجاجية أمام القنصلية العامة لإيطاليا بالدارالبيضاء للمطالبة بكشف ملابسات مقتل عبد الرحيم فقير على يد الشرطة الإيطالية
المندوبية العامة للسجون: الحالة الصحية للنعمة أصفاري مستقرة ويتلقى الرعاية الطبية وفق بروتوكول المضربين عن الطعام
أصدرت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، الخميس، بلاغا توضيحيا ردا على ما وصفته بـ”المزاعم” الواردة في تدوينات وبلاغات صادرة عن جهات معادية للوحدة الترابية للمملكة بشأن الحالة الصحية للسجين النعمة أصفاري، المعتقل بالسجن المركزي بالقنيطرة على خلفية أحداث اكديم إزيك. وأوضحت المندوبية أن السجين، منذ إعلانه الدخول في إضراب عن الطعام، تم إخضاعه للبروتوكول […]