ينتهي اليوم شهر الكذب، أبريل، وتبدأ فعاليات شهر العمال والثورات العظام عبر التاريخ، ماي، ونبدأ، نحن شغيلة المجال الإعلامي شهرنا الخامس في وضعيتنا الجديدة: وضعية منتحلي الصفة الجماعيين.
ودعوني أحكي لكم، من باب التسلية ليس إلا والترويح عن النفس ساعة فساعة في انتظار أيام أفضل، حادثة طريفة وقعت لي مع عون من أعوان السلطة في طريقي من مدينة إلى أخرى هذه الأيام.
استوقفني الرجل في الطريق، وقال إنها مراقبة عادية للأوراق.
امتثلت طبعا، وسلمت كل وثائقي، قبل أن أسمع الرجل اللطيف يسألني “شنو كتدير آسي فلان؟”.
أجبته إنني صحافي، أو محسوب على الصحافة، أو أحب أن أتخيل نفسي كذلك على الأقل.
ابتسم وقال لي “نقدر نشوف البطاقة المهنية؟”.
انفجرت ضاحكا وقلت له “أنت واحد من اثنين: إما موظف عادي يقوم بمهامه ويريد فعلا التأكد من الصفة، أو أنك متابع جيد للوضع المرتبك الذي نمر منه (وباغي تشد فيا)”.
ابتسم بحزن وسألني “ولكن علاش وصلتو لهاد الحالة؟”.
لم أجد جوابا للأمانة. تسلمت وثائقي وبادلته التحية الطيبة بتحية أطيب، واستسلمت للطريق.
لم يغادر السؤال ذهني “لماذا وصلتم إلى هذا الوضع؟”. وأخبر الموظف الطيب من هنا أنه نجح في إقفال يومي ذلك النهار، وأن حزنا عارما استولى على كل مسامي، لأن سؤاله وضعني عاريا أمام المرآة، أنا وبضعة مئات يبلغون الآلاف يحترفون هذه المهنة العجيبة.
ولأن المصائب، مثل الأسئلة المحرجة والمؤلمة، لا تأتي فرادى، أبى زميلي الصحافي الجميل والمتميز حسن العطافي إلا أن يضيف الحزن حزنا، وأن يرش على الجرح ملحا كثيرا، وأن يشحذ سكينا كبيرة، وعوض أن يتركها إلى حين ميسرة يوم العيد الكبير، اختار أن يحركها جيئة وذهابا داخل هذا الجرح الأليم بتدوينة في الفيسبوك تقول كل شيء.
كتب حسن، وهو صحافي وسيظل صحافيا، وسيذهب كل العابرين، تدوينة عن معنى الصحافي السابق، وكيف أن كل هواتفك التي لا تتوقف عن الرنين اليوم كله، وأنت “على قيد الحياة المهنية”، إلى درجة إزعاجك من الهاتف وتنفيرك منه، تقرر فجأة الصمت والسكوت والهدوء حين تحال على التقاعد.
يسود في الجو حينها صمت رهيب وغريب. وتجد نفسك، مثل الأحمق مضطرا فقط لتقليب الدفاتر القديمة، والتأكد أنك كنت تكتب فعلا، وكنت تحاور فعلا، وكنت معروفا فعلا، وكان الجميع يناديك “الأستاذ” فعلا، قبل أن يجبرك هذا الجميع على هذه الخلوة غير الشرعية، ولكن الصحية، مع النفس، لكي تطرح بعد فوات الأوان السؤال: لماذا اخترت فقط هذه المهنة التي تأكل أبناءها، والتي تموت حبا في اللقطاء وأبناء الحرام، وتكره كرها حقيقيا الأصليين والقادمين من نطفة الحلال؟
في الغالب لن تجد إجابة. ستجد لقطات من الماضي تحاصرك، وكانت تخبرك بما سيأتي، لكنك كنت مصرا على تجاهلها.
ستعاتب نفسك، ستعاتب الآخرين، ستعاتب المشهد، ستعاتب القدر، ثم ستضحك بغباء، وستقول “لا شيء يستحق العتاب”.
اقلب هذه الصفحة، ولا تقرأ أي سطر، لا الأخير، ولا الذي قبله. فقط، اقلب الصفحة، وواصل المسير…
