يوماً بعد يوم، تتبدّى الحقائق خلف الوجوه التي حاولت طويلاً التخفي خلف شعارات النضال الزائف والبطولات الوهمية عبر منصات التواصل الاجتماعي. ولعل من أبرز هذه الوجوه التي انكشفت حقيقتها البشعة، المدعو هشام جيراندو، النصاب الهارب من العدالة المغربية والمقيم في كندا.
فمع توالي التسريبات الدقيقة التي تفضحه، والتي قادتها بمهنية قناة “أطلس هاكرز”، لم يعد هذا الشخص مجرد “معارض” كما يحاول تسويق نفسه، بل تحوّل بامتياز إلى زعيم شبكة إجرامية قائمة على الابتزاز، التشهير، وامتصاص دماء ضحاياه بطرق سادية لا تمت للإنسانية بصلة.
إن المتأمل في مسار جيراندو يكتشف أنه بنى إمبراطوريته الوهمية على أنقاض آلام الآخرين وأزماتهم. لم تكن غايته يوماً كشف الحقائق أو الدفاع عن المظلومين، بل كان هدفه الأوحد هو تأسيس “مافيا رقمية” تقتات على أخطاء الناس، زلاتهم، أو حتى ماضيهم الذي يحاولون تجاوزه.
منهجية الابتزاز واختيار الضحايا
لا يعمل هشام جيراندو بعشوائية، بل يتبع منهجية إجرامية مدروسة تعتمد على انتقاء ضحاياه بعناية فائقة، مستهدفاً فئتين رئيسيتين يرى أنهما أكثر عرضة لتداعيات التشهير أمام الرأي العام. فالفئة الأولى تتمثل في الشخصيات العمومية أو المعروفة اجتماعياً، فإذا كان البعض من هذه الفئة تخضع لابتزازه الممنهج وتستسلم لتهديداته، فليس بالضرورة لتورطها في أفعال غير قانونية، بل خوفاً من آلة التشهير المدمرة التي يمتلكها، حيث إن مجرد التهديد بنشر صور أو فبركة قصص على وسائل التواصل الاجتماعي يكفي لتدمير سمعة عائلات بأكملها، وهو ما يستغله جيراندو أبشع استغلال لجمع الأموال، واضعاً هؤلاء الأشخاص أمام خيارين أحلاهما مر: الدفع بسخاء أو التعرض للاغتيال المعنوي.
أما الفئة الثانية، فهي الفئة الأكثر تعقيداً، وتتكون من أشخاص تورطوا في أعمال مخالفة للقانون، مثل تجارة المخدرات أو الممنوعات. هنا، يلعب جيراندو دور “عراب المافيا”، حيث ينسج شبكة واسعة من المخبرين والعلاقات التي تمده بمعلومات دقيقة وصور وفيديوهات عن هؤلاء الأشخاص، وعندما تكتمل لديه الصورة، يبدأ في تطبيق أسلوبه المزدوج: إما أن يعرض عليهم “الحماية” والتستر على أفعالهم مقابل مبالغ مالية ضخمة، وإما أن يهددهم بنشر غسيلهم وفضحهم إذا ما تجرؤوا على رفض شروطه. إنها باختصار عملية سطو وابتزاز مكتملة الأركان، يتستر فيها المجرم خلف شاشة حاسوبه في كندا ليمارس أبشع أنواع الإرهاب النفسي والمادي.
المأساة الإنسانية.. عندما يُدمر الابتزاز أسراً بأكملها
لعل المعطيات الجديدة التي برزت مؤخراً تكشف الوجه الأكثر قتامة وبشاعة لهذا النصاب، بعيداً عن لغة الأرقام والمساومات. إنها قصة إنسانية تقشعر لها الأبدان، رواها بحرقة وألم والد إحدى ضحايا جيراندو.
فهذه السيدة، التي كانت في يوم من الأيام متورطة في شبكات الممنوعات، حاولت التوبة وقطع صلتها بهذا العالم المظلم، مصممة على بدء صفحة جديدة. إلا أن جيراندو، الذي لا يعترف بالتوبة ولا تحركه سوى لغة المال، تواصل معها وبدأ في ابتزازها. ولأنها رفضت الرضوخ لابتزازه المادي وامتنعت عن دفع الإتاوات التي طلبها، قرر الانتقام منها بدم بارد، وقام بنشر صورها وفيديوهاتها، ما أدى في النهاية إلى اعتقالها.
القضية هنا ليست تبرئة السيدة من ماضيها، فهذا شأن يخص القضاء وحده وهو الجهة الوحيدة المخولة بمحاسبتها، لكن الجريمة الحقيقية تكمن في الاستغلال البشع لضعفها ومحاولتها التعافي، حيث لم يكتفِ جيراندو بتدمير حياتها وإرسالها إلى السجن، بل تمادى في طغيانه ليخرج قبل يومين فقط من محاكمتها الاستئنافية بتدوينة خبيثة، زعم فيها أنها قدمت رشوة بقيمة 90 مليون سنتيم.
هذه الكذبة المفبركة، التي نفاها والدها بشدة مؤكداً أنها لا تملك شيئاً، لم تكن سوى محاولة يائسة من جيراندو للضغط على القضاء وتأليب الرأي العام ضدها، لضمان تدميرها بشكل كامل. وفي خضم هذه التصفيات، لم يلتفت هذا المبتز إلى الكارثة الإنسانية التي خلّفها وراءه، طفل بريء يبلغ من العمر سنتين فقط، أصيب باكتئاب حاد وحُرم من حضن أمه، ووالد مكلوم يلخص مأساته بعبارة تدمي القلب: “هذا الخائن خرج على بنتي”.
العدالة كمطية للابتزاز وضرورة التصدي للمافيا الرقمية
إن ما يمارسه هشام جيراندو يتجاوز بكثير مجرد جرائم إلكترونية فردية، إنه تأسيس لنموذج خطير من “قضاء الظل” الموازي، حيث ينصب شخص هارب من العدالة نفسه مدعياً عاماً، وقاضياً، وجلاداً في آن واحد، فهو لا يتدخل لفضح الفساد كما يدعي، بل يتدخل لاحتكاره والاستفادة منه، فإذا دفعت له، فأنت في مأمن وسرّك محفوظ، وإذا رفضت، فأنت هدف لحملة تشهير شعواء تنتهي بتدميرك اجتماعياً وقانونياً.
ليست هذه السيدة الضحية الأولى، ولن تكون الأخيرة ما لم يتم التصدي بحزم لهذا الأسلوب الإجرامي. العشرات من الضحايا سقطوا في شباك هذه الشبكة، وجدوا أنفسهم أمام أمر واقع فرضه شخص يستغل المسافة الجغرافية التي تفصله عن يد العدالة المغربية ليمارس ساديته وعقده النفسية والمالية.
إن فضح أساليب هشام جيراندو اليوم هو مسؤولية جماعية، حيث يجب على الرأي العام أن يدرك أن متابعة مثل هذه الصفحات لا يعني الاطلاع على “الحقيقة”، بل يعني الانخراط غير المباشر في تدمير حياة أشخاص وتغذية آلة ابتزاز لا تشبع. لا يهم إن كان الضحية مخطئاً أو مصيباً في نظر القانون، فالدولة بمؤسساتها وقضائها هي وحدها من تمتلك الحق في المحاسبة والعقاب وفق مساطر تضمن المحاكمة العادلة وتحفظ كرامة الإنسان. أما جيراندو وأمثاله، فهم مجرد طفيليات تعتاش على جراح المجتمع، ويجب محاصرتهم إعلامياً وقانونياً، حتى ينالوا جزاءهم العادل وتُطوى صفحة من أسوأ صفحات الابتزاز الرقمي.
