تقدم حالة اليسار الجديد بالجارة إسبانيا نموذجا لتحليل “نفسي – سياسي” مثالي عن الكيفية التي يتحول فيها الوعي من “وعي شقي” إلى “وعي فصامي”.. بل إنه من مكر الأمور أن تقدم زعيمة هذا اليسار الجديد بالبرلمان الإسباني إيوني بيلارا (Ione Belarra) المثال الحي عن ذلك، في ما يشبه الخصومة مع تخصصها الأكاديمي بصفتها خريجة جامعة مدريد المستقلة بشعبة علم النفس.
إن كل من تتبع الجلسة الصاخبة بالكورتيس الإسباني منذ يومين المخصصة لمناقشة ملف العلاقات المغربية الإسبانية على خلفية ما أصبح يعرف ب “أحداث سبتة” ليومي 30 و 31 غشت 2026، لن يصدم فقط بالتوازي في الخطاب وفي القاموس اللغوي والمرامي السياسية بين أعضاء حزب اليسار الجديد وممثلي حزب فوكس اليميني المتطرف ضد “المغرب والمغاربة ومصالحهم الوطنية العليا”، بل إنه سيصدم أمام التطاول غير الأخلاقي لزعيمة اليسار الجديد على حقيقة الواقع المغربي حين وصفتنا بكل النعوت الغارقة في الوضاعة السياسية فقط لأن “المورو” تطاول على “سانشو” (التابع لدون كيخوطي دي لا مانشا) وطالبه بالتصالح مع الحق والعدل وإعادة آخر الأراضي المستعمرة ببحر المتوسط بإفريقيا إلى وطنها الأصلي المغرب وأهلها الحقيقيين المغاربة.
لقد أخدت الحمية بالإثم إيوني بيلارا كي تطالب ليس فقط بقرارات سياسية بل بقرارات تأديبية انتقامية ضد كل ما هو مغربي في ما يُضمِرُ لديها رغبة لمحو “المورو” من الوجود.. هنا نحن ضمن خانة حالة باثولوجية نفسية تفضح درجة “العقدة المغربية” في الوعي الإسباني سواء من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار..
أكثر من ذلك، أخدها التطاول كي تحدد سقفا لما يجب أن نكون عليه نحن “المورو” حتى ترضى عنا مدريد ويرضى عنا “دون كيخوطي”، أي أن نكون صورة لما تريده هي أن نكون، أي مجرد تابعين نُرضِي غرورها السياسي ووصايتها “الشمالية الحضارية”..
إن “المورو” الجيد والطيب بالنسبة لها هو “المورو” التابع الذي على حجم قبضة يدها “الإستعمارية”.
يستطيع المرء الجزم على أن “النخبة الإسبانية” بمختلف أجيالها للأسف تصدر عن ذات الخطل التاريخي الذي ترمز إليه أطروحات كاتب إسباني مثل سيرافين فانجول صاحب الكتاب الذي حقق مبيعات بالملايين باللغة الإسبانية: “الأندلس.. ادعاء واختلاق أسطورة” (Alandalus ; l’invention d’un mythe). حيث تتأسس الأطروحة المركزية لهذا “الوعي الشقي” على اعتبار فترة الحكم المغربي والعربي والإسلامي ببلاد سيرفانتس التي استمرت حوالي 8 قرون (800 سنة) احتلالا وأن سيرة “حروب الإسترداد” الكاثوليكية والقومية الإسبانية هي “حروب تحرير” (التهجير الجماعي للمسلمين واليهود كجريمة ضد الإنسانية صار “حرب تحرير”.. عجبا). معتبرا أن الحضارة المغربية الأندلسية لم تترك أي أثر ملموس على “الأمة الإسبانية” لا لغويا ولا سلوكيا ولا على مستوى الغناء والرقص والطبخ واللباس. وأن “الأمة الإسبانية” نقية الدم من أي أثر دم مغربي أو عربي.
إن اكتشاف هذه القراءة، التي كان صاحبها فانجول في مرحلة من المراحل مديرا للمعهد الإسباني الوحيد بمصر بالعاصمة القاهرة، يجعلنا نقف عند وجه آخر للنخبة الإسبانية التي تصنع معنى لشكل التعامل مع الآخر (المغربي) الصاعد من الجنوب. بل يكفي استحضار أن هذا المؤرخ الإسباني انتقل سياسيا ضمن مسار حياته من أقصى التطرف الشيوعي زمن العهد الفرانكاوي إلى أقصى التطرف اليميني اليوم (هو من أنصار حزب فوكس VOX المتطرف ومن أطره الفكرية).
إن الزعيمة اليسارية إيوني بيلارا من ذات “سلالة الوعي الإسباني المعطوب” الذي يلوي عنق الشعارات والمبادئ الخالدة لمنظومة الحقوق العالمية ضمن رزنامة حقوق الإنسان في معناها الشامل، حين يتعلق الأمر ب “الجنوبي الإفريقي المورو”. حيث إن الحقوق المشروعة للمغاربة في تحرير مدنهم وجزرهم المتوسطية من الاحتلال الإسباني كإرث استعماري استيطاني تصبح تهمة في خطاب النخب الإسبانية بالشكل الذي يوحد بين “بوديموس” و “فوكس”..
مؤسف هذا السقوط الأخلاقي للسيدة اليسارية الإسبانية التي جعلت لينين موظفا عند فرانكو.
لقد تقمصت بيلارا لسان الجنرال الدموي الديكتاتوري فرانشيسكو فرانكو وهي تضع صورة لينين على وجهها، فقط حين يتعلق الأمر بالحقوق المشروعة قانونيا وأخلاقيا ومبدئيا للمغاربة في تحرير أراضيهم من آخر بقايا الإستعمار بإفريقيا وبالمتوسط..
يا لها من مفارقة.. يا لها من مأساة.. يا لها من ملهاة.. شكسبير ليس هنا ليعيد كتابة نصه الخالد “هاملت”..
أيتها السيدة بيلارا، لا تنسي أن هرقل عندنا نام نومته الأبدية وأن الأسطورة خلدتنا في ذاكرة المجد لأننا واقفون مثل “أطلس” نُدافعُ عن ذهب “تفاحة هسبريس”..
اطمئني فنحن لن نفرط في بلدنا ومؤسساتنا وأرضنا وحقوقنا.. سنظل ذات الأحرار الواقفين ضد كل غطرسة استعمارية حتى ولو كلفنا ذلك غازات سامة جديدة مثل التي ارتكبتم جريمتها المصنفة ضمن “الجرائم ضد الإنسانية” ضد أهلنا الأبطال المغاربة الريفيون بشمال المغرب للقضاء على ثورة البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي.. ثم يكفينا فخرا أننا نجحنا في أن نفضح كيف أنك جعلت من لينين موظفا عند فرانكو.. يا لها من مفارقة.. يا لها من مأساة.. يا له من نصر لنا كمغاربة..
في الحالة الإسبانية.. كيف صار لينين موظفا عند فرانكو
بواسطة
الجمعة 4 سبتمبر, 2026 - 18:10
آخر الأخبار
فاس.. توقيف شخص روّج فيديوهات كاذبة عن “جرائم وحشية” لزرع الرعب بين المواطنين
تمكنت عناصر الشرطة بولاية أمن فاس، صباح اليوم الجمعة 4 شتنبر الجاري، من توقيف شخص يبلغ من العمر 34 سنة، يشتبه في تورطه في قضية تتعلق بالتبليغ عن جرائم وهمية يعلم بعد وقوعها وبث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة بغرض المس بالإحساس بالأمن لدى المواطنين. وكانت مصالح الشرطة قد رصدت شرائط فيدو منشورة على صفحات مواقع […]
من مِنصّات "النِضال" إلى مَغاسِل تركيا.. كيف تُصنع مَعاطف كندا بأموال "الحَشيش"؟
في عالم الأعمال والاقتصاد، تُدرِّس الجامعات الكبرى نظريات مُعقَدة حول سلاسل التوريد وتَدفق رؤوس الأموال. لكن يَبدو أن جامعة هارفارد قد فاتها أن تَستضيف الخبير الاقتصادي، والمناضل الفيسبوكي، والنصاب المُرابي “هشام جيراندو”، ليُقدِّم لها نظريته الثورية الجديدة: “كيف تُحوَّل أموال المخدرات إلى أحذية ومعاطف شتوية كندية في ثلاث خطوات بسيطة”. فبفضل التسريبات الأخيرة التي أتحفتنا […]
أكادير تحتضن النسخة الثانية من الأيام التواصلية لمؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية للأمن الوطني
افتتحت المديرية العامة للأمن الوطني، صباح اليوم الجمعة 04 شتنبر الجاري، فعاليات النسخة الثانية من الأيام التواصلية الجهوية التي تنظمها مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني على مستوى ولاية أمن أكادير، وذلك لتعزيز التواصل المباشر مع المنخرطين وتقريب مختلف الخدمات والبرامج الاجتماعية من موظفات وموظفي الأمن الوطني المزاولين والمتقاعدين وذوي حقوقهم. وتشكل هذه […]
