بعد خطة التسريع الصناعي 2014-2014، تعكف وزارة الصناعة والتجارة في سياق تحديات جديدة على إعداد استراتيجية صناعية جديدة، قوامها تعزيز السيادة الصناعية للمغرب، وفق الرؤية الملكية.
وفي الوقت الذي راكم المغرب منذ برنامج «إيمرجونس» بنسختيه، مرورا بخطة التسريع الصناعي، تجربة مكنته من تبوؤ مكانة متميزة كمركز صناعي تنافسي إقليميا، بات اليوم الانتقال إلى مرحلة جديدة يتخذ من مفهوم السيادة هدفا ووسيلة، كما جاء ذلك في الرسالة الملكية بمناسبة النسخة الأولى لليوم الوطني للصناعة في شهر مارس الماضي.
الاهتمام بالرأسمال البشري
في هذا الإطار، أبرز جلالة الملك أنه بالنظر إلى هشاشة سلاسل القيم العالمية، وفي ظل الاعتماد الكبير على الواردات، فإن سيادة المغرب في الصناعة تظل في صلب الأولويات، والصناعة مدعوة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تقول الرسالة الملكية، إلى «تعزيز الإنتاج المحلي بشكل تنافسي، من أجل تقليص هذا الاعتماد، ودعم قدرتنا على الصمود والرفع من مستوى تنافسيتنا، وترسيخ مكانة المغرب في القطاعات الواعدة، فيما ينبغي الاستعداد الكامل لولوج عهد صناعي جديد، يتخذ من مفهوم السيادة هدفا ووسيلة».
كما أكد جلالة الملك أن «بلدنا يحتاج إلى صناعة تستوعب أنشطة وخبرات جديدة، وتوفر المزيد من فرص الشغل»، مضيفا أنه يتعين على القطاع الصناعي أن يجعل من القدرة على توفير مناصب شغل قارة للشباب رهانه الأول. وفي الوقت الذي لا يمكن أن يكون هناك أي طموح صناعي بدون رأسمال بشري يتمتع بالقدرات والكفاءات العالية، أبرزت الرسالة ضرورة تعميم النسيج الصناعي الجديد لملاءمة الرأسمال البشري مع الحاجيات الخاصة للمشاريع الصناعية، وتقوية المهارات التدبيرية. في هذا الإطار دعا الملك إلى تأمين تكوين جيد للشباب يستجيب للحاجيات والتحولات الجديدة، وينفتح على التكنولوجيات الحديثة، وذلك في إطار شراكة معززة بين القطاعين العام والخاص كما يتوجب أيضا، وفق الرسالة الملكية، إرساء آليات المواكبة وتوسيع نطاقها، من أجل تعزيز البنية التحتية التكنولوجية والبحث والتطوير داخل المقاولات المغربية، مع إحداث منظومة تضم القطاع الصناعي والجامعات ومراكز البحث، من أجل دعم الابتكار وجعله محركا لنمو الصناعة المغربية. العهد الصناعي المنشود يستلزم، كذلك، تسريع تحقيق رهان الإنتاج الخالي من الكربون، باعتماد الكهرباء المولدة من مصادر متجددة وبأسعار تنافسية، والرفع من الكفاءة الطاقية، يقول جلالة الملك، مسلطا الضوء على ضرورة إسهام القطاع الصناعي المغربي في المحافظة على الموارد المائية، عبر ترشيد استخدام الماء، وإعادة استعمال المياه العادمة، واعتماد التكنولوجيات والحلول الجديدة.
كما أنه من شأن الانخراط في هذا التوجه تمكين المملكة من أن تصبح نموذجا مرجعيا في مجال أنماط الإنتاج المسؤولة والمستدامة والخالية من الكربون، مما سيتيح استقطاب المستثمرين الأجانب الباحثين عن فرص في قطاعات الاقتصاد الأخضر، تشير الرسالة الملكية.
استراتيجية جديدة
لتنزيل التوجيهات الملكية، تعكف وزارة الصناعة والتجارة حاليا على إعداد استراتيجية صناعية جديدة، تحكمها فكرة السيادة، لضمان تنمية مستدامة ومتوازنة بالنسبة لكافة القطاعات الصناعية وجميع جهات المملكة، مع الاستجابة في الوقت ذاته لتطلعات المواطنين والمقاولات وجميع الشركاء الدوليين.
ونظرا للسياق الدولي الصعب، الذي يتسم بارتفاع التضخم واختلالات سلاسل التوريد، ستعمل الاستراتيجية المنتظرة على تأهيل صناعة أكثر مرونة وقدرة على التأقلم، وقادرة على مواجهة الرهانات الاقتصادية العالمية الجديدة وإحداث المزيد من مناصب الشغل وتوليد القيمة.
وقبل صياغة الاستراتيجية الجديدة، عقد وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، مشاورات مع مختلف الفاعلين، بدءا بالاتحاد العام لمقاولات المغرب والفدراليات المهنية بالدار البيضاء، تلته عدة اجتماعات عمل أخرى مع فاعلين آخرين على الصعيد الوطني مثل الجمعية المغربية للمصدرين والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وصندوق محمد السادس، وصندوق الإيداع والتدبير، والمؤسسات المالية، وغيرها.
كما امتدت هذه المشاورات لتشمل، كذلك، جميع جهات المغرب الـ12 للالتقاء بالفاعلين المحليين.
صنع بالمغرب
يمثل بنك المشاريع أحد الآليات المهمة، التي يرتكز عليها المغرب من أجل تحقيق السيادة الصناعية، وذلك عبر المواكبة المالية لأصحاب المشاريع الراغبين في اسبتدال الواردات بمنتجات مصنعة محليا تحت شعار «صنع في المغرب».
وإلى حدود شهر نونبر الماضي، بلغ عدد المشاريع التي تم اختيارها برسم بنك المشاريع الهادف إلى استبدال الواردات وتعزيز السيادة الصناعية، 1641 مشروعا.
ومن شأن هذه المشاريع، إحداث أزيد من 300 ألف منصب شغل مرتقب، ضمنه 128 ألف منصب شغل مباشر بغلاف مالي بأزيد من 53 مليار درهم وبرأسمال وطني يفوق 88 في المائة في المائة، علما بأن بنك المشاريع يهدف إلى استبدال الواردات بالصناعة المحلية بنسبة تقريبية تبلغ 77 مليار درهم.
ويأتي ذلك في الوقت الذي كانت الحكومة قد وضعت مجموعة من الإجراءات لتعزيز التنافسية ودعم وحماية الإنتاج الوطني، وضمنها رفع الرسوم الجمركية على استيراد ما يسمى بـ«المنتوجات الجاهزة» من 25 في المائة إلى 40 في المائة، وذلك من أجل صناعتها في المغرب.
كما قامت الحكومة، كذلك، بتقليص الرسوم الجمركية لعدد المواد الأولية التي تساهم في خفض تكلفة المنتجات المدرجة في التصنيع، إلى جانب رفع الرسوم الجمركية لعدد من المنتوجات بموجب قانون المالية السابق، فيما تمت مراجعة اتفاقية التبادل الحر مع تركيا، وتطبيق عدد من آليات الحماية من أجل الحد من الواردات التي تلحق الضرر بالإنتاج المحلي إلى جانب الرقابة التقنية لكي تتطابق مع المعايير المغربية.
ومنذ جائحة كورونا ومرورا بالتوترات الجيو-سياسية العالية، طرح مفهوم تحقيق السيادة الصناعية نفسه بقوة، كما أن علامة «صنع في المغرب» ترسخت بشكل كبير كإحدى الروافع الأساسية لتحقيق هذه السيادة، وكذلك تحقيق النمو والتنمية السوسيو – اقتصادية للمغرب، علما بأن هذه العلامة تدور على عدة محاور من قبيل تخفيض واستبدال الواردات، زيادة الأجور، تحسين الميزان التجاري، توجيه القطاعات المنتجة والمهيكلة، وذلك فضلا عن رفع مناصب الشغل.
