“سودان يا غالي”.. احتفاء بالحياة وسط الموت

بواسطة الثلاثاء 3 ديسمبر, 2024 - 16:40

 

“سودان يا غالي” هو ثان فيلم وثائقي، يبرمج  في إطار المسابقة الرسمية للنسخة 21 للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، جرى عرضه بقصر المؤتمرات يوم الاثنين 2 دجنبر الجاري بحضور مخرجته هند المدب ومنتجه الفرنسي وواحدة من الشخصيات الرئيسية لهذا العمل التوثيقي المتميز  شجن سليمان.

فيلم “سودان يا غالي”.. صرخة سينمائية توثق قوة الشعب السوداني وشبابه على وجه الخصوص، ومدى إصرارهما على مواجهة الظلم والقمع والاستبداد، قدمت من خلال مخرجته هند المدب، سفرا بصريا مؤثرا إلى قلب السودان، لتنسج خيوط حكاية شباب، أبدع ملحمة إنسانية لمقاومة  الظلم  باستخدام الكلمة والشعر والفن والحلم، إذ لم يزغ حراكهم عن سكة  شعار ظل ترديده حاضرا  طيلة 57 يوما من الثورة وهو “سلمية..سلمية..”

اختارت المخرجة التونسية الفرنسية هند المدب، أن تفتتح فيلمها بمشهد جداري قامت بالتبئير  عليه بما يكفي، حيث جاء حاملا لعبارة قوية تقول: “دم الشهداء دمي”، من خلال هذه النافذة سيطل المشاهد عبر باقي مشاهد العمل، على عالم تتحول فيه الجدران إلى لوحات فنية تروي قصصا مؤلمة مكتوبة بدم الشهداء.

طيلة زمن فيلم “غالي يا سودان” الممتد على 76 دقيقة، يتحول الشعر والغناء إلى بطل حقيقي مواز للشخصيات الأبطال الذين تتعقبهم كاميرا المخرجة هند المدب. القطع الغنائية بما فيها الراب، الموسيقى، الغرافيتي أو الجداريات، القصائد..  التوظيف لهذه الوسائل الإبداعية البعيدة عن العنف لم يكن مجانيا، بل ليعكس مبدأ واحدا شكل بوصلة للثورة، وهو السلمية كخيار لا محيد عنه في بلوغ الثوار هدفهم الأكبر، وهو إسقاط الديكتاتورية، والتأسيس لمرحلة جديدة،  يختفي فيها أي أثر للعسكر من الساحة السياسية بالعودة إلى ثكناتهم، فاسحين المجال أمام المدنيين لإدارة دفة الحكم بناء على انتخابات ديمقراطية.

الفيلم ينقل بكل صدق، واقعا سودانيا قاسيا نكتشف تفاصيله المؤلمة من خلال عين كاميرا مخرجته هند المدب، وهي تتعقب أبطالها من شباب سودانيين في العشرينيات من عمرهم، تحكي واحدة منهم وهي شجن سليمان عن خيبة كبرى، وهم يرون هذا الانزياح عن مسار تحقيق الحلم بحكم مدني، وانقلابه إلى مواجهة دامية في الشوارع، وما انتهى إليه النظام العسكري من إرجاع عقارب ساعة البلاد مرة أخرى إلى الوراء، من خلال قمع كل الأصوات  المتلهفة والساعية إلى إحداث التغيير، وطي صفحة سوداء من الحكم العسكري عمرت لثلاثة عقود.

يعود فيلم “سودان ياغالي” خمس سنوات إلى الوراء وتحديدا إلى اللحظة التاريخية المعلنة لسقوط نظام عمر البشير، حيث عجت شوارع العاصمة الخرطوم بالشعارات الحماسية والمترجمة في بعضها لأهداف هذا الحراك الشعبي السلمي، لكن سرعان ما تبددت كل الأحلام، وتحولت إلى كوابيس أمام آلة القمع الوحشية للعسكر، كما التقطتها وأظهرتها كاميرا المخرجة.    

تظهر المخرجة هند المدب في خلفية المشاهد “كصوت أوف”، وتندمج في نسيج الحراك السوداني، بل وتعبر عما انتباها من مشاعر وهي تتواجد وسط السودانيين بقولها :”لما عرفتكم، أنا كمان بديت نحلم معاكم”.

كان الأمل يملأ عيون الشباب السودانيين، حولته المخرجة هند المدب إلى موضوع حكاية فيلمها، أمل ارتفع منحى صعوده، وارتفع معه سقف المطالب عاليا، قبل أن يتبخر كل شيء مع توالي أيام الحراك، ويصير هباء أمام مرأى الحالمين بفجر يوم جديد يقلب حال السودان ويدخلها إلى غد  جديد ينعم فيه الشعب السوداني كالآخرين بالحرية والديقراطية والعدالة والسلام وبإقبار الحكم العسكري على الأبد.

تبقى واحدة من أقسى لحظات الفيلم، حين تمكنت مخرجته من توثيق ما عرف بمجزرة  فض الاعتصام في ليلة العيد لشهر رمضان عام 2019. أصوات القنابل، صرخات المحتجين، وجثث ملقاة في الخيام، وعصي تنزل بدون رحمة على أجساد السودانيين. تقول هند في تعليق مؤلم بصوتها: “كم فقيد وكم قتيل وكم عائلة تيتمت… لماذا اختاروا هذه الليلة لتنفيذ الهجوم؟ هل كانوا خائفين من أن يحتفل المقاومون معا يوم العيد”.

بعد إجهاض حلم الشباب السوداني في فرض التغيير، لم تتوقف المخرجة عند هذا الحد، بل أظهر الفيلم استمرار مسلسل مقاساة نشطاء الثورة الشباب بعض مجزرة الفض من خلال التهديدات والاعتقالات والنفي. كل هذا لم يفت  في عضدهم، بل واصلوا التمسك بجمرة  تحقيق سودان جديد.

اختارت المخرجة أن تنهي فيلمها  بمشاهد معبرة تعبر عن معنى النفي الإجباري لهؤلاء الشباب، لما نشاهد قطارا يمر في السودان، ثم نهر النيل، بينما تلقى قصيدة مفعمة بالحزن والأسى تقول: “قد اكتفيت من الوعود، فلمن أعود.

“سودان يا غالي” يؤكد من جديد أن السينما لا يمكن اختزالها في خانة ضيقة لا تتجاوز صناعة الأفلام، بل هي أحلام وذاكرة توثق لتاريخ الشعوب.

آخر الأخبار

المغرب يندد بتوظيف  المضائق والممرات البحرية الدولية كأداة للضغط 
أكد السفير الممثل الدائم للمغرب لدى منظمة الأمم المتحدة، عمر هلال، اليوم الإثنين 27 أبريل، أن المغرب يندد بتوظيف المضائق والممرات البحرية الدولية كأداة للضغط، وذلك خلال النقاش المفتوح رفيع المستوى المخصص للأمن البحري، المنعقد بنيويورك. وفي مداخلته أمام أعضاء مجلس الأمن، خلال الجلسة التي ترأسها وزير الخارجية البحريني، عبد اللطيف بن راشد الزياني، الذي […]
كيفاش صلاة جماعة صغيرة من اليهود في باب دكالة في مراكش رجعات نقطة انطلاق "استعمار" المغرب؟
أكتاف النساء.. آخر ملاذ للمفلسين سياسيا وأخلاقيا!
في الوقت الذي ينتظر فيه المغاربة نقاشات حقيقية حول التنمية والبدائل الاقتصادية استعدادا للانتخابات التشريعية القادمة، وبينما يتطلع المجتمع الى مشاهدة انتاجات إعلامية تواكب قضايا الساعة، طفت على السطح ظاهرة مقززة تعكس “الارتباك” و”الإفلاس الأخلاقي” لبعض الوجوه التي لفظها المغاربة، بعد أن لجأت الى “الركوب على أكتاف النساء”، وتحويل معاناة المرأة وقضاياها إلى “قشة غريق” […]