“الغباء الاصطناعي” .. عندما يستبدل الريسوني التحليل الفلسفي بالإدانة الأخلاقية للمخالفين

بواسطة السبت 23 مايو, 2026 - 12:38

بقلم الشيخ الصادق العثماني، أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية

يمثل مقال الشيخ أحمد الريسوني المعنون بـ«الغباء الاصطناعي أيضا» نموذجا دالا على أزمة متفاقمة في بعض أنماط الخطاب الإسلامي المعاصر؛ وهي أزمة الخلط بين الدفاع عن الدين وبين إلغاء التعقيد الإنساني والفلسفي والمعرفي الذي يميز العالم الحديث. فالمقال، رغم ما يتضمنه من لغة أدبية وقدرة وعظية واستدعاء تراثي، يقع في اختزال شديد للمسائل الفكرية الكبرى، ويستبدل التحليل الفلسفي المركب بإدانة نفسية وأخلاقية للخصوم الفكريين، حتى بدا وكأنه يصنف المخالفين لا باعتبارهم أصحاب تصورات معرفية مختلفة، بل باعتبارهم مصابين بـ«الغباء المصطنع». وهذه المقاربة لا تنسجم لا مع المنهج القرآني في الحوار، ولا مع المقاصد الكلية للشريعة، ولا مع طبيعة المعرفة الإنسانية الحديثة .

اختزال الكافرين

إن أول ما يلفت الانتباه في المقال هو هذا التقسيم الحاد بين “الذكاء الطبيعي” المؤدي إلى الإيمان، و”الغباء الاصطناعي” المؤدي إلى الإلحاد أو اللا أدرية أو العبثية أو حتى التملق السياسي. وهو تقسيم يبدو خطابيا أكثر منه علميا أو فلسفيا. فالقضايا المتعلقة بالإيمان والإلحاد والشك والمعنى ليست مسائل حسابية بسيطة، بحيث يكون المؤمن ذكيا بالضرورة، وغير المؤمن غبيا بالضرورة. ولو كان الأمر كذلك لما وجد في تاريخ الإنسانية فلاسفة وعلماء ومفكرون كبار اختلفوا في قضايا الميتافيزيقا والدين رغم امتلاكهم أعلى درجات الذكاء العقلي والتحليل المنطقي.

فالقرآن نفسه لم يختزل الكافرين في الغباء، بل تحدث عن دوافع متنوعة ومعقدة: منها الاجتماعي والسياسي والنفسي والتاريخي والمعرفي . بل إن القرآن مارس جدالا عقلانيا مع المخالفين، ولم يكتف بتوصيفهم بالحمق أو العته . وحينما يصف القرآن بعض الناس بأنهم “لا يعقلون”، فإنه لا يقصد نقصا في القدرة الذهنية المجردة، وإنما يقصد تعطيل الوظيفة الأخلاقية للعقل. أما تحويل كل مخالفة فكرية إلى “غباء اصطناعي”، فهو انزلاق نحو خطاب شعبوي تعبوي يريح المؤمن نفسيا، لكنه لا يقنع المخالف معرفيا .

ثم إن المقال يقع في مصادرة فلسفية واضحة حين يعتبر أن الإيمان بالله نتيجة بديهية حتمية لكل عقل سليم، وأن الإلحاد لا يمكن أن يكون إلا هروبا أخلاقيا من الالتزام الديني . وهذه دعوى لا تصمد أمام النقد الإبستمولوجي. فالفلسفة الحديثة والمعاصرة، منذ إيمانويل كانط (Immanuel Kant)  (1804-1724)  إلى لوفيغ فيتغنشتاين 

(Ludwig Wittgenstein )(1951-1889)  بينت أن العقل البشري محدود في إدراك الميتافيزيقا، وأن مسائل الإيمان لا تُختزل في البرهان العقلي المباشر. بل إن كثيرا من المتدينين أنفسهم يؤمنون بدافع التجربة الروحية أو الوجدان أو التربية أو الانتماء الحضاري، لا بدافع البرهان العقلي الخالص. ويؤكد هذا المعنى أيضا الحديث النبوي الشريف: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، وهو حديث يكشف البعد الاجتماعي والتربوي في تشكل المعتقدات الدينية، ويبين أن الإيمان في كثير من الأحيان ينتقل عبر الأسرة والمحيط والثقافة والانتماء الحضاري، لا فقط عبر الاستدلال العقلي المجرد. ولذلك فإن الغالبية العظمى من البشر يرثون أديانهم عن آبائهم وأمهاتهم ومجتمعاتهم، في حين أن الذين يغيرون دينهم الموروث يظلون أقلية محدودة في التاريخ الإنساني. وهذا لا ينفي البعد العقلي أو الاختياري في الإيمان، لكنه يبرز أن الظاهرة الدينية أكثر تعقيدا من اختزالها في ثنائية “الذكاء” و”الغباء”، أو اعتبار الإيمان نتيجة عقلية بديهية واحدة عند جميع الناس.

تعميم غير قابل للإثبات

كما أن الزعم بأن الملحدين “يعرفون الحقيقة لكنهم يهربون منها” هو تعميم نفسي غير قابل للإثبات. نعم، قد يوجد من يرفض الدين بدافع الشهوة أو التمرد أو الكراهية، لكن يوجد أيضا من وصل إلى مواقف إلحادية أو لا أدرية بعد رحلة فكرية معقدة، أو بسبب إشكالات فلسفية حقيقية تتعلق بمشكلة الشر، أو العلاقة بين الدين والعلم، أو تاريخ المؤسسات الدينية، أو أزمة النصوص والتأويلات. وإنكار هذا التعقيد وتحويله إلى مجرد “غباء مصطنع” يفرغ الخطاب الإسلامي من قوته المعرفية، ويجعله أقرب إلى خطاب تعبئة داخلية لا إلى خطاب حوار حضاري. ومن أخطر ما في المقال  هذا التوظيف الانتقائي للعلم الحديث. فالكاتب أحمد الريسوني  يستدعي “الحقائق العلمية الكونية” باعتبارها شاهدا قاطعا على وجود الله، لكنه لا يناقش الإشكالات الفلسفية العميقة المتعلقة بعلاقة العلم بالدين. فالعلم الطبيعي، بحسب المنهج العلمي نفسه، يصف الظواهر ولا يحسم القضايا الميتافيزيقية. ولذلك نجد علماء كبارا مؤمنين، كما نجد علماء كبارا غير مؤمنين، دون أن يكون الخلاف بينهم ناتجا عن نقص في الذكاء. إن تحويل العلم إلى أداة دعوية مباشرة دون مراعاة حدوده المنهجية يوقع الفكر الإسلامي في تبسيط مخل.

ثم إن المقال يخلط خلطا واضحا بين مستويات مختلفة من الظواهر الفكرية. فهو يضع الملحد، واللا أدري، والسوفسطائي، والعبثي، والمنافق السياسي، في سلة واحدة عنوانها “الغباء الاصطناعي”. وهذا خلط غير علمي، لأن هذه الاتجاهات تنتمي إلى سياقات معرفية وتاريخية مختلفة تماما. فاللا أدرية موقف إبستمولوجي يتعلق بحدود المعرفة، والعبثية تيار وجودي مرتبط بأزمة المعنى في الحداثة الأوروبية، والسفسطة ظاهرة فلسفية يونانية قديمة، أما التملق السياسي فهو سلوك نفعي أخلاقي . الجمع بينها تحت مفهوم واحد ليس تحليلا فلسفيا، بل تجميعا خطابيا هدفه صناعة “عدو فكري شامل”.

أزمة عمق الخطابات الإسلامية

ومن الناحية المقاصدية، فإن المقال يبتعد عن جوهر المقصد القرآني في التعارف والحوار وإقامة الحجة بالحكمة. فالشريعة لم تأت لإلغاء الإنسان المختلف، بل جاءت لتزكية الإنسان وبناء العمران وتحقيق الكرامة الإنسانية. وقد كان القرآن نفسه يعترف بحرية الاختيار حتى في قضايا الإيمان الكبرى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}. أما الخطاب الذي يصور المخالف باعتباره فاقدا للعقل أو مصابا بالغباء، فإنه يغلق باب الحوار ويؤسس لنوع من الاستعلاء المعرفي والأخلاقي.

كما أن المقال يعكس أزمة أعمق في بعض الخطابات الإسلامية، وهي عدم القدرة على فهم التحولات الفكرية الحديثة خارج ثنائية “الإيمان مقابل الانحلال”. فالفلسفات الوجودية والعدمية والعبثية لم تظهر فقط بسبب “التمرد على الدين”، بل ظهرت أيضا بسبب الحروب الكبرى، والاستعمار، والحداثة المادية، وأزمة الإنسان المعاصر، وتفكك المعنى في الحضارة الغربية. ولهذا فإن مواجهتها لا تكون بالسخرية منها أو اتهام أصحابها بالغباء، بل بفهم شروطها التاريخية والأنثروبولوجية والنفسية.

بل إن المقال نفسه يقع في مفارقة لافتة؛ فهو ينتقد “الغباء الاصطناعي”، لكنه يمارس نوعا من التبسيط الاختزالي الذي يمكن اعتباره شكلا من أشكال “الكسل الفكري”. لأن التفكير الفلسفي الحقيقي يبدأ حين نعترف بتعقيد الأسئلة، لا حين نحولها إلى إجابات جاهزة. فالمفكر الذي يريد الدفاع عن الدين في عصر الذكاء الاصطناعي والثورة المعرفية لا يكفيه أن يكرر خطابا وعظيا تراثيا، بل يحتاج إلى إعادة بناء علم الكلام، وتجديد فلسفة الدين، والانفتاح على العلوم الإنسانية الحديثة، وتطوير خطاب قادر على مخاطبة الإنسان المعاصر بلغته وأسئلته الحقيقية.

التوصيف التحقيري

ثم إن استعمال مصطلحات مثل “الهشاشة الدماغية” في وصف بعض المتأثرين بالفلسفة السوفسطائية يثير إشكالا أخلاقيا ومعرفيا. فهذا النوع من اللغة لا يليق بخطاب علمي رصين، لأنه يستبدل الحجاج الفكري بالتوصيف التحقيري. والمفارقة أن التراث الإسلامي نفسه الذي يستشهد به أحمد الريسوني مليء بنماذج الحوار الراقي مع المخالفين، حتى مع الزنادقة والدهريين. وقد كان كبار المتكلمين والفلاسفة المسلمين يناقشون خصومهم بمنطق البرهان، لا بمنطق السخرية النفسية.

كما أن ربط الإلحاد دائما بالتحلل الأخلاقي غير دقيق واقعيا ولا فلسفيا. فالتاريخ الإنساني يعرف ملحدين ذوي التزام أخلاقي عال، كما يعرف متدينين مارسوا الاستبداد والفساد والعنف باسم الدين . وهذا لا يعني المساواة بين الرؤى العقدية، لكنه يعني أن الأخلاق أكثر تعقيدا من مجرد الانتماء الديني الشكلي. والقرآن نفسه ربط النجاة بالعمل الصالح والعدل والرحمة، لا بمجرد الشعارات والهويات المغلقة.

وفي جانب آخر، يلاحظ أن المقال يستخدم فكرة “الراحة النفسية” لتفسير الإلحاد، وكأن التدين دائما طريق شاق بينما الإلحاد طريق ممتع وسهل. وهذه صورة تبسيطية لا تنسجم مع الواقع. فالكثير من الملحدين يعيشون قلقا وجوديا عميقا، وكثير من المؤمنين يجدون في الدين راحة وسكينة ومعنى. القضية إذن ليست مجرد هروب من التكاليف، بل تتعلق أحيانا بأزمات معرفية وتجارب إنسانية معقدة لا يجوز اختزالها في التفسير الأخلاقي .

إن أخطر ما ينتجه هذا النوع من الخطاب هو أنه يعمق الانقسام بين المتدينين وغير المتدينين، ويحول الدين من رسالة هداية ورحمة إلى أداة تصنيف وإقصاء. كما أنه يدفع الشباب المتردد أو الباحث إلى النفور، لأنه يشعر أن أسئلته الوجودية تُواجَه بالتخوين أو التحقير بدل الفهم والحوار.

لقد كان الأجدر بخطاب إسلامي معاصر أن يعترف بتعقيد العصر، وأن يميز بين نقد الإلحاد فلسفيا وبين شيطنة الملحدين إنسانيا. وكان الأجدر بالأستاذ الريسوني أن يقدم الدين باعتباره أفقا للمعنى والكرامة والتحرر الروحي، لا باعتباره مجرد إدانة أخلاقية للمخالف. فالإيمان الحقيقي لا يخاف من الأسئلة، بل يزداد قوة بالحوار والنقد والتفكير الحر.

وفي الختام، إن تجديد الفكر الإسلامي اليوم لا يحتاج إلى توسيع دائرة الاتهام بـ”الغباء الاصطناعي”، بل يحتاج إلى شجاعة معرفية تعترف بأن العالم تغير، وأن الإنسان المعاصر يطرح أسئلة جديدة تحتاج إلى أدوات جديدة. فالعقل الذي كرمه الله ليس عقلا وظيفته ترديد الإجابات الجاهزة، بل عقلا يبحث ويتأمل وينقد ويعيد بناء المعنى باستمرار. ولذلك فإن الدفاع الحقيقي عن الدين لا يكون بتبسيط الإنسان، بل بفهمه؛ ولا بإدانة الأسئلة، بل بالارتقاء إلى مستوى تعقيدها .

آخر الأخبار

توسيع قاعدة استفادة ارامل وايتام شهداء الامن الوطني من موسم التخييم الحالي 2026
كلف المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن بمهمة توسيع قاعدة أرامل وأيتام شهداء الواجب الذين سيستفيدون مجانا من موسم التخييم الحالي 2026. ويبلغ عدد الأرامل المستفيدات من مجانية موسم التخييم والاصطياف هذه السنة 99 أرملة، موزعات على ثلاث مراكز اصطياف بكل من أصيلة وبوزنيقة […]
النادي المكناسي يواصل تواضعه والمغرب الفاسي يسقط بملعبه ضد اتحاد طنجة
فاز فريق الكوكب المراكشي على ضيفه النادي المكناسي بثلاثة أهداف لواحد، في المباراة التي جمعتهما، مساء اليوم الجمعة، على أرضية الملعب الكبير بمراكش، برسم الدورة الـ21 من البطولة الوطنية الاحترافية. وسجل أهداف الفريق المراكشي كل من كلود غنولو من ضربة جزاء في الدقيقة الـ14، وإسماعيل محراب في الدقيقة الـ39، ويونس البحراوي في الدقيقة الـ83، فيما […]
العهدة على بنعلي..3000 حتى 3500 درهم تجيب ليك حولي مزيان وها فين!