بقلم الشيخ الصادق العثماني- أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
ليس من وظيفة المثقف أن يصف الواقع فحسب، وإنما أن يسهم في بناء الوعي، وأن يفتح للناس نوافذ الأمل، لا أن يحول الإحباط إلى قدر تاريخي، أو يجعل من الأزمات الاجتماعية مادة لإنتاج المزيد من اليأس، فالمثقف أو المفكر ، في التصور الإسلامي والمقاصدي على الخصوص، مسؤول عن حفظ العقول كما هو مسؤول عن ترشيد الخطاب العام، لأن الكلمة ليست مجرد رأي، بل قد تصبح دافعًا إلى البناء أو معولًا للهدم .
وقد جاء مقال الأستاذ حسن أوريد المعنون بـ”البحر أمامكم”، المنشور بموقع الجزيرة نت، في سياق الأحداث المرتبطة بمحاولات الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة المحتلة، غير أن المقال للأسف، تجاوز حدود التحليل الاجتماعي إلى إطلاق أحكام عامة، وربط ظواهر معقدة بأسباب أحادية، بما يستدعي وقفة نقدية هادئة مع مفكرنا العزيز، تنطلق من المنهج العلمي ومن فقه المقاصد.
صناعة اليأس
ولا يختلف اثنان في أن المغرب يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية حقيقية، وأن شريحة من الشباب تعاني البطالة أو الشعور بانسداد بعض الآفاق، كما لا يختلف اثنان في أن الحكومة مطالبة بمواصلة الإصلاح، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتوسيع فرص الشغل، وتحسين الخدمات العمومية، لكن الاعتراف بهذه التحديات شيء، وتحويلها إلى خطاب شعبوي يغذي الإحباط الجماعي شيء آخر.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم ليس الفقر وحده، وإنما صناعة اليأس، فحين يصبح الخطاب العام قائماً على إقناع الشباب بأن لا مستقبل لهم داخل أوطانهم، فإننا لا نكون أمام نقد إصلاحي، وإنما أمام مساهمة غير مباشرة في تفكيك الثقة بين المواطن ووطنه .
لقد علمتنا المقاصد الشرعية أن حفظ النفس مقدم على كثير من المصالح، وأن كل خطاب يفضي إلى تعريض الأرواح للهلاك أو يهون من شأن المخاطرة بها يناقض مقصدًا شرعيًا أصيلًا. ولذلك فإن كل دعوة، صريحة أو ضمنية، تجعل البحر رمزًا للخلاص، أو تصور الهجرة غير النظامية باعتبارها المخرج الوحيد، تساهم – شاء أصحابها أم أبوا – في تغذية الوهم الذي يقتات عليه دعاة الفتنة وتجار الهجرة وشبكات الاتجار بالبشر.
إيحاء سلبي
ومن يقرأ تاريخ المغرب يدرك أن هذا البلد لم يبن استقراره على الإنكار، وإنما على الإصلاح المتدرج، وعلى قوة مؤسساته، وعلى التلاحم التاريخي بين العرش والشعب، ولذلك فإن النقد الحقيقي هو الذي يدفع نحو الإصلاح، لا الذي يزرع القطيعة مع الوطن، أو يحول الأزمات إلى إعلان دائم لفشل الدولة .
ومن أكثر النقاط إثارة للنقاش في مقال الأستاذ حسن أوريد قوله إن “عددًا كبيرًا من النازحين هم أبناء أسر من ولي واحد، أي من نتاج مدونة الأسرة، والتي ظهرت آثارها السلبية في تظاهرات الأطراف والجنوح إلى العنف”.
وهذا الحكم يثير عدة إشكالات علمية ومنهجية.
فأولها أن عبارة “عدد كبير” ليست وصفًا بريئًا، بل هي دعوى إحصائية تستلزم وجود دراسة ميدانية أو قاعدة بيانات دقيقة تحدد حجم هذه الفئة، وطبيعة خصائصها الاجتماعية، وكيفية الوصول إلى هذه النتيجة. أما إطلاق هذا الوصف دون إحالة إلى أي بحث علمي أو تقرير رسمي فإنه يظل مجرد انطباع شخصي لا يرقى إلى مستوى الحقيقة العلمية.
ولعل السؤال المشروع هنا: من أين استقى كاتبنا الحزيز حسن أوريد هذه المعطيات؟ وهل أجرى تحقيقًا ميدانيًا مع الشباب الذين حاولوا الهجرة؟ أم أنه اكتفى بالمشاهدة العابرة؟ والواقع أن الأستاذ حسن أوريد، بحسب ما هو معلوم، كان متوجهًا لحضور حفل الاستقبال الرسمي بمناسبة عيد العرش، بمدينة المضيق ، ولم يكن بصدد إنجاز دراسة اجتماعية ميدانية تسمح له بإطلاق مثل هذه الأحكام القاطعة.
وثاني هذه الإشكالات أن وصف هؤلاء الشباب بأنهم أبناء “أسر من ولي واحد” يحمل في الثقافة المغربية إيحاءً سلبيًا، لأنه قد يفهم باعتباره وصمًا اجتماعيًا لفئة من المواطنين لا ذنب لهم في أوضاعهم الأسرية. والقاعدة الأخلاقية والشرعية تقضي بألا يحمل الإنسان تبعة ظروف لم يخترها، قال تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾.
الربط الانطباعي
أما ثالث الإشكالات، فهو الربط المباشر بين مدونة الأسرة المغربية وبين ظاهرة الهجرة غير النظامية، فهذا الانتقال يمثل قفزة تفسيرية لا يسندها أي دليل علمي. فالهجرة السرية ظاهرة مركبة تشارك في صناعتها عوامل متعددة، منها البطالة، والتحولات الاقتصادية، والإغراءات الإعلامية، وشبكات التهريب، والفوارق الاجتماعية ، والتحولات النفسية والثقافية، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وغير ذلك من الأسباب. واختزال كل هذه العوامل في متغير واحد هو البنية الأسرية لا ينسجم مع أبسط قواعد البحث العلمي.
ومن منظور مقاصدي، فإن فهم الظواهر الاجتماعية يقتضي النظر إلى مجموع الأسباب لا إلى سبب واحد، لأن الشريعة نفسها تبني الأحكام على تحقيق المناط واستقراء الواقع، لا على التعميم والانطباعات.
ويزداد هذا الطرح إشكالًا إذا استحضرنا السياق التاريخي. فالأستاذ حسن أوريد كان أول وآخر ناطق رسمي باسم القصر الملكي خلال المرحلة التي أعلن فيها جلالة الملك محمد السادس، سنة 2001، تأسيس اللجنة الاستشارية المكلفة بمراجعة مدونة الأحوال الشخصية، والتي انتهت إلى إخراج مدونة الأسرة الحالية، ولذلك فإن تحميل المدونة اليوم مسؤولية ظواهر اجتماعية معقدة يبدو متناقضًا مع ذلك السياق، ما دام الكاتب أوريد لم يقدم مراجعة علمية موثقة تبين أين أخفقت المدونة، وما هي المواد القانونية التي أنتجت – وفق الأدلة – هذه النتائج.
إن النقد العلمي للتشريعات حق مشروع، بل هو مطلوب، لكن هذا النقد ينبغي أن يقوم على تقييم قانوني واجتماعي رصين، يستند إلى الدراسات والوقائع، لا إلى الربط الانطباعي بين ظاهرتين مختلفتين.
كما أن المقال ينطوي، بصورة ضمنية، على حكم قيمي على جيل كامل، حين يوحي بأن أبناء الأسر التي نشأت في ظل مدونة الأسرة أكثر ميلًا إلى العنف أو الانحراف أو الاحتجاج. وهذا تعميم لا يسنده دليل، ويتعارض مع قواعد العدالة والإنصاف، فضلًا عن أنه قد يؤدي إلى وصم فئة اجتماعية واسعة وتحميلها مسؤولية مشكلات ليست من صنعها.
الحرص على الاستقرار
ومن جهة أخرى، فإن المقال يغفل مسؤولية الحملات الرقمية المنظمة التي تعمل على صناعة الإحباط داخل المجتمع المغربي. فمن المعروف اليوم أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة لحروب نفسية، يجري فيها تضخيم كل تعثر، وإخفاء كثير من الإنجازات، وإعادة إنتاج الإشاعات بصورة ممنهجة، حتى يترسخ لدى الشباب تصور مفاده أن الهجرة هي الطريق الوحيد للنجاة .
إن هذه الحملات لا تستهدف الاقتصاد فقط، بل تستهدف الثقة في الدولة، والثقة في المؤسسات، والثقة في المستقبل. ولذلك فإن مسؤولية المثقف لا تقتصر على تشخيص المشكلات، بل تشمل أيضًا حماية الوعي من السقوط في خطاب العدمية واليأس .
ولا يعني هذا الدفاع عن الواقع أو إنكار الاختلالات، فالوطنية الصادقة ليست تصفيقًا للسلطات الحكومية، كما أنها ليست جلدًا للذات، الوطنية الحقة هي التي تجمع بين الصراحة في النقد، والحرص على الاستقرار، والإيمان بإمكان الإصلاح، بعيدًا عن الخطابات العدمية والهدم أو التحريض على الوطن .
المقاربة المقاصدية
إن المغرب، عبر تاريخه الطويل، واجه أزمات أشد مما يواجهه اليوم، لكنه استطاع أن يحول كثيرًا منها إلى فرص للإصلاح، بفضل قوة مؤسساته، وشرعيته التاريخية، ووحدة شعبه، وقيادته. ولذلك فإن اختزال صورة الوطن في مشاهد الإحباط فقط يمثل ظلمًا للتاريخ وللواقع معًا.
لقد كان الأولى بالمفكر حسن أن يدعو إلى تعزيز روح المبادرة، وإحياء الأمل، وتشجيع الشباب على المشاركة في التنمية، بدل تكريس صورة قاتمة تجعل البحر هو الأفق الوحيد.
إن المقاربة المقاصدية تعلمنا أن الخطاب الرشيد هو الذي يوازن بين كشف الخلل وبناء الأمل، وبين النقد والمسؤولية، وبين الحرية والإنصاف. أما الخطاب الذي يكتفي بإنتاج اليأس، أو يبني استنتاجاته على تعميمات غير موثقة، فإنه لا يخدم الإصلاح بقدر ما يوسع دائرة الإحباط.
ويبقى المثقف الحقيقي هو الذي يجعل من قلمه وسيلة لإحياء الأمل، وترسيخ الثقة، وإسناد الإصلاح بالدليل، لا بالانطباع، وبالعلم، لا بالتعميم. فالأوطان لا تُبنى بخطابات السوداوية، ولا تُصلح بتشويه أجيال كاملة، وإنما تُبنى بإرادة الإصلاح، والإنصاف في الحكم، واحترام الحقيقة العلمية، واستحضار المقاصد الكبرى التي تجعل حفظ الإنسان، وصيانة المجتمع، وترسيخ الاستقرار، غايات لا يجوز التفريط فيها تحت أي مبرر .
