الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، محطة جديدة للوقوف على مكامن قوة التجربة التنموية التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس باعتبارها نموذجاً للتحول الاستراتيجي الذي انتقل بالمغرب من اقتصاد يعتمد على استغلال الموارد الطبيعية إلى اقتصاد يسعى إلى إنتاج القيمة المضافة والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
منذ اعتلاء جلالته العرش سنة 1999، لم يكن الرهان فقط على تشييد البنيات التحتية، بل على بناء اقتصاد صناعي حديث يجعل من المملكة فاعلاً مؤثراً في الصناعات التي سترسم ملامح الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
وبفضل الرؤية الاستباقية لجلالة الملك، أصبح الفوسفاط المغربي ركيزة للصناعة والأمن الغذائي العالمي، بعدما انتقل المغرب من تصدير المادة الخام إلى إنتاج الأسمدة عالية القيمة المضافة. ويحتضن المغرب نحو 70% من الاحتياطي العالمي المعروف للفوسفاط، فيما أطلق المجمع الشريف للفوسفاط برنامجاً استثمارياً بقيمة تناهز 130 مليار درهم للفترة 2023-2027 لرفع الطاقة الإنتاجية، والاعتماد على المياه المحلاة والطاقات المتجددة، وترسيخ مكانة المملكة كأحد أهم المزودين للأسمدة في العالم.
كما أدرك جلالة الملك أن الثورة الصناعية الجديدة ستقودها معادن المستقبل، لذلك عمل المغرب على استقطاب استثمارات ضخمة في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، مستفيداً من توفر الفوسفاط والكوبالت وموقعه الجغرافي واتفاقياته التجارية. وقد تجاوزت الاستثمارات المعلنة في هذا القطاع 120 مليار درهم، مع مشاريع تقودها شركات عالمية، بما يؤهل المملكة لأن تصبح منصة رئيسية لصناعة مكونات البطاريات خارج آسيا.
وتجسد صناعة السيارات نجاح هذا الخيار الاستراتيجي، إذ أصبح المغرب أول منتج للسيارات في إفريقيا بطاقة تفوق مليون سيارة سنوياً، فيما تجاوزت صادرات القطاع 157 مليار درهم، بفضل منظومة صناعية متكاملة تضم مصانع رونو وستيلانتيس وأكثر من 250 شركة عالمية متخصصة في تصنيع المكونات، وهو ما جعل المملكة مركزاً صناعياً يرتبط مباشرة بالأسواق الأوروبية والإفريقية.
ولم يقتصر التحول على السيارات، بل امتد إلى صناعة الطيران التي تضم اليوم أكثر من 150 شركة عالمية وتوفر ما يزيد على 24 ألف منصب شغل مباشر، مع ارتفاع مستمر في نسبة الإدماج الصناعي. كما توسعت الاستثمارات في الصناعات الإلكترونية والمعدات الكهربائية والأنظمة الذكية، بما يعزز حضور المغرب في الصناعات ذات التكنولوجيا العالية.
وفي موازاة ذلك، حرص جلالة الملك على توفير البنية التحتية الضرورية لهذا التحول، فأصبح ميناء طنجة المتوسط أكبر ميناء في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا بطاقة تناهز 10 ملايين حاوية سنوياً، فيما تتواصل أشغال ميناء الناظور غرب المتوسط، وميناء الداخلة الأطلسي، إضافة إلى تمديد الخط فائق السرعة نحو مراكش، وتوسيع شبكة الطرق السيارة والمناطق الصناعية واللوجستية، بما جعل المغرب منصة إنتاج وتصدير تربط أوروبا بإفريقيا.
كما عززت الإصلاحات الاقتصادية، وفي مقدمتها الميثاق الجديد للاستثمار وتحسين مناخ الأعمال، جاذبية المملكة لدى كبريات الشركات الدولية، التي لم تعد تنظر إلى المغرب كسوق محلية فحسب، بل كقاعدة صناعية ولوجستية للوصول إلى أسواق تضم أكثر من ملياري مستهلك، مستفيدة من شبكة واسعة من اتفاقيات التبادل الحر والاستقرار السياسي الذي تنعم به المملكة.
وتتجاوز أهمية هذه الإنجازات بعدها الاقتصادي إلى بعدها الجيوسياسي، إذ إن اندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية يجعله شريكاً استراتيجياً في الأمن الغذائي، والتحول الطاقي، وصناعة السيارات الكهربائية والطيران، ويحول استقرار المملكة إلى مصلحة مباشرة لكبرى القوى الاقتصادية العالمية. وهكذا، تؤكد حصيلة سبعة وعشرين عاماً من حكم جلالة الملك محمد السادس أن المغرب لم يعد مجرد بلد يمتلك ثروات طبيعية، بل أصبح دولة تبني نفوذها من خلال الصناعة، والتكنولوجيا، والابتكار، بما يعزز مكانتها كقوة اقتصادية صاعدة في الفضاء الأورومتوسطي والإفريقي.
