مصنف | سياسة

مدحت بوريكات يروي تفاصيل عملية الهروب من «PF3»

مدحت بوريكات يروي تفاصيل عملية الهروب من «PF3»

قضى رفقة أخويه علي وبايزيد حوالي سنتين من الاعتقال التعسفي في المعتقل السري «P.F.3» في نفس الفترة التي قضى فيها الكثير من المعتقلين، فترات متراوحة في نفس المعتقل السري الرهيب، الذي كان يشرف عليه رجالات الجينرال الدليمي. والتقى في دهاليزه بالمختفي قسرا والمجهول المصيرالحسين المانوزي وأيضا العسكريين اعبابو وشلاط ومزيرق، الذين شاركوا في الانقلاب الأول بقصر الصخيرات. وفي الجزء الخامس من هذا الحوار الخاص نعيد عقارب الساعة إلى الوراء لنكتشف حقائق عملية هروب الحسين المانوزي والعسكريين والإخوة بوريكات من المعتقل وتفاصيل الإعداد لها إلى حين مغادرتهم أسواره.

قلت إنه بعد الزج بالحسين المانوزي في معتقل النقطة الثابتة3 خففت عنكم الحراسة، وبدأ الحراس يتعاملون معكم بشكل جيد، هل أثار ذلك شكوكم؟

قلت لهم إن ذلك ليس معقولا وربما الدليمي وزبانيته يدبرون شيئا ما، وكررت ذلك مرارا على مسامعهم.

فيما فكرت حينها؟

قلت إن ذلك مدبر لدفعنا لنفكر في الهرب، ثم يقبضون علينا ويجدون مبررا لتصفيتنا.

هل كانت الحراسة مخففة كثيرا؟

نعم كثيرا جدا.

هل نقصوا من عدد الحراس؟

لا، بقي العدد نفسه، هناك في الداخل بعض منهم، وهناك في الخارج ربما أعداد أخرى لا نراهم.

هل كان الحسين المانوزي والمقدم اعبابو ومريزق والنقيب الشلاط يجتمعون بمفردهم حينها للتفكير في كيفية تنفيذ عملية الهرب؟

لا، أولا اعبابو ومزيرق ينحدرون من الريف، وعقا من زيان وكان يتحدث مع الحراس، وهو صديق له لأنه جاره في الزنزانة وكلما فتحت الزنازن, يجلسان على عتبتها يتحدثان فيما بينهما، فيما أجلس أنا أيضا على العتبة أتحدث مع اعبابو ويلتحق بنا في بعض الأحيان مزيرق وأخي علي وبايزيد ونتحدث فيما بيننا كلنا، كان ذلك حسب هوانا. المهم أنني تحدثت مع اعبابو وقلت له إنه ليس من المعقول أن تخفف علينا الحراسة، وقال لي إنني محق، وقلت ذلك للحسين المانوزي، فرد علي: «مزيان حتى إلى بغينا نهربو تجينا ساهلة»، قال ذلك بنبرة استهزاء (يضحك)، وفي يوم أربعاء، أخبروهم أننا الإخوة الثلاثة سيطلقون سراحنا بينما الآخرون سيلتحقون بأصحابهم الجنود في معتقل يتواجد بثلاثين مترا تحت الأرض، وهناك ستبقون بعيدا عن العالم.

وماذا عن المانوزي؟

لا، قال الحراس إن الآخرين كلهم باستثنائنا نحن الإخوة بوريكات، وربما الحسين المانوزي معهم أيضا، ولم يخبرنا الحراس بأي شيء لأنهم تحدثوا مع الجنود فقط، لكن اعبابو أخبرنا بالأمر، والمانوزي وعقا أيضا، إلا الشلاط لأن الجميع يكرهه.

لماذا؟

لأنه حين كان في مدرسة أهرمومو كان مكروها.

من أين ينحدر الشلاط؟

ينحدر من نواحي فاس، من أصل عربي وليس أمازيغي، ولا أتذكر من أين بالضبط.

وماذا بعد؟

المهم كانوا يتداولون في الأمر، وتغيرت الأجواء فيما بيينا، وفكرت في الأمر مليا، وقلت في نفسي إنهم في الغالب يريدون أن ندبر عملية هروب ثم يلحقوا بنا لتصفيتنا سواء في خارج المعتقل أو في مكان خلاء. حينها كان السويسي أرض خلاء ولا بنايات به، وبقينا على هذا المنوال لأيام، وفي أحد الأيام فتحت الزنازن ليحضروا لنا الفطور، وذهبت إلى المرحاض فوجدت المانوزي وعقا ومعهما الشلاط، فقال لي هذا الأخير إن الليلة سننفذ العملية، قلت له ماذا تقول؟، فكرر لي ذلك، فالتفت نحو المانوزي، فانحنى رأسه، فقلت لهم سأعود فورا لأنني كنت أحمل سطل ماء، فذهبت إلى زنزانتي، وعدت مسرعا. قلت لهم : ماذا تقولون (واش كتخربقو)، فأجابوني: «واش غاتجيو معانا أم لا». أجبتهم: أبدا، لا.

كم كانت الساعة حينها؟

حوالي الثامنة أو الثامنة والنصف، ذاك هو موعد الإفطار، بعد أن يتغير حراس المداومة. ويأتي آخرون سيتكلفون بحراستنا ويحضرون لنا الإفطار ويقضون اليوم معنا.

ماذا فعلت بعدها؟

التقيت اعبابو، وسألته: ماذا هناك؟. أجابني: «داكشي لي قالو ليك هو لي كاين». قلت له : يا اعبابو أنت كولونيل، وهل تظن أن عملية الهروب ستنجح؟. رد علي: «أنا محكوم بعشرين سنة حبسا، وهل تظن أنني سأصبر على البقاء هنا طيلة هذه المدة» . وقال لي أيضا إن عقا والشلاط محكوم عليهما بالمؤبد ومزيرق بخمسة عشر سنة سجنا والمانوزي بالإعدام, بينما أنتم لم يصدر في حقكم أي حكم. فأجبته: «نحن مشكلتنا أعوص، أما أنتم فقد مررتم أمام القضاء ويعرف الجميع قصتكم، وكانت الجلسات علنية وتزوركم عائلاتكم، أما نحن فيمكن أن يقرروا إخفاءنا دون أن يهتم أحد بمصيرنا». وقلت له أيضا: «نحن نتفق على الهروب، لكن لابد من التفكير جيدا في العملية، نحن لدينا المال الكافي وعلاقات يمكن أن نستثمرها للحصول على المساعدة والأوراق وأمور أخرى، ولابد من دراسة الخطة جيدا، وطلبت منه إمهالنا بعض الوقت». قلت له: «نحن نتفق على الهروب، لكن لابد أن نعد خطة جيدة».

وماذا كان رده؟

قال لي : نحن قررنا الهرب، وكفى. وحينها تناولنا الإفطار وأغلقوا علينا الزنازن، وكان اعبابو لايزال في الساحة، وأخبرت إخوتي بالأمر قبل أن يدخل كل منا إلى زنزانته، بدأت أنادي أخي علي لكن لا يرد، فطلبت من اعبابو الذي كان يستمتع بأشعة الشمس، أن يستطلع الأمر ويرى ما حل به في زنزانته. فوجده جالسا ورأسه على الأرض مغمى عليه والدم ينزف من يده بعد أن ضربها بسكين. وذهب وأخبر أحد الحراس بذلك، فأخبر بدوره رئيس الحراس «موح»، وحضر موح على الفور وأخوه علي الذي يعمل بالمعتقل، وكان مدرسا قبل التحاقه بسلك الأمن، وخضع لتدريب في التمريض، وقام بتضميد جرحه، أما الحارس الآخر رشيد فأحضر له لترا من الحليب ليستعيد جزء من الدم الذي فقده. وخاف الجنود، أما الحراس فلم يفهموا شيئا مما حدث.

ماذا كان رد فعلهم؟

بعد أن أحضروا لنا طعام الغذاء لم يفتحوا لنا الزنازن كالمعتاد.

لم ضرب شقيقك يده ؟

لأنه أراد حينها أن يحضر مسؤولا ما ليخبره بقصة الهروب.

هل استعاد أخوك علي وعيه بعدها؟

نعم

ماذا حدث بعد الغذاء؟

كما قلت لك أقفلوا علينا الزنازن، وذلك بمجرد أن غسل كل منا بمفرده صحنه، واستغربوا مما أقدم عليه شقيقي علي. حينها قال لي اعبابو لن نتكلم معكم منذ الآن، وقال لي الحسين المانوزي أيضا نفس الكلام. وأخبرني أن اعبابو هو من سيتكلف بالتواصل معنا. وقال لي : إن كان لديكم ما تريدون معرفته نادوا على اعبابو وسيوصل ذلك لنا.

وهل استغنوا عن فكرة الهرب؟

في الزوال، أخبرني أنهم استغنوا عن فكرة الهرب، وسيبقوا هنا إلى الموت. وبقي الحال عما هو عليه لثلاثة أو أربعة أيام، وفي أحد الأيام رأيتهم وقد حلقوا ذقونهم بدون استثناء وغيروا ملابسهم.

في أي يوم بالضبط؟

في شهر يوليوز 1975، لأنه في يوم الثامن من نفس الشهر أخبرني المانوزي بقصة الهروب والذي تصادف ويوم الاحتفال بعيد الشباب، والملك حينها في مراكش وفكروا في أن الحراسة تكون خفيفة، وحتى الحراس يذهبون بدورهم، ولا يتبقى غير قليل منهم. لكن بعد ثلاثة أيام فتحت الزنازن كالعادة ليدخلوا لنا الفطور، فقال لي أخي علي أنظر إليهم إنهم جميعا حلقوا رؤوسهم واغتسلوا، ربما في الأمر سر ما. فرأيت اعبابو لأن الحديث انقطع بيننا باستثناء هذا الأخير الذي كان صلة الوصل بيننا. وقلت له: ماذا يحدث (بالفرنسية)، فرد علي: لاشيء. أجبته: لا هناك أمر ما.

وماذا وقع بعدها؟

بعد منتصف النهار فتحت الزنازن بعد الغذاء، وجاء عندي عقا، وقال لي : «هل لديك «أسبرين» لأن رأسي يؤلمني». فبحثت عن واحدة فأعطيته إياها، ومر بزنزانة اعبابو وتحدث معه دون أن اعرف فحوى حديثهما، وعاد إلى زنزانته. بقيت حينها حائرا أنا وإخوتي، وبعد الزوال أعد لنا الحراس الشاي، وفتحت الزنازن، وتركت مفتوحة، وذهبت للحديث معهم جميعا سواء المانوزي أو عقا وحتى الشلاط، فيما أخواي علي وبايزيد فيقاطعونهم.

ماذا قلت لهم حينها؟

قلت لهم : «الله يهديكوم»، فردوا علي: «راه ماكاين والو، وماغدين نهربوا ما والو». كانت أبواب الزنازن حينها مفتوحة، وحضر الحراس الجدد حوالي الساعة السابعة مساء، فأحضروا لنا طعام العشاء، فقال لنا أحد الحراس اغسلوا صحونكم، وفي انتظار أن أؤدي الصلاة سأغلق أبواب الزنازن عليكم وسأفتحها عليكم فيما بعد. ولم يكن من المعتاد القيام بذلك. وأضاف سأعد لكم الشاي من عندي، لأن لديهم مواد إعداد الشاي الخاصة بهم ولدينا الخاصة بنا. كنا حينها قد تناولنا عشاءنا وجلسنا نتحدث فيما بيننا. وجاء الحارس عندنا أنا والمانوزي ليغلق علينا الزنزانة فقبض عليه الشلاط وأسقطه أرضا ونزع له سلاحه ووضع في يديه الأصفاد، وأدخله إلى الزنزانة.

هل كان هناك فقط حارسان؟

لا هم ثلاثة، رئيسهم بقي في الساحة.

وماذا فعلوا بالثاني والثالث؟

كان الثاني يمشي لإغلاق باب زنزانتي أخواي، فأسقطه مزيرق وعقا معا، فيما الأول تكلف المانوزي بوضع الأصفاد في يديه.

هي نفس أصفاد الحراس؟

نعم، لأن لدى الحراس ثلاثة أصفاد في الغالب، ورغم أنهم كانوا يرتدون الجلاليب إلا أنهم كانوا يظهرون لنا المسدسات التي يخبئونها تحت الجلباب، وكانت هناك غرفة صغيرة يجلسون بها وفيها يضعون سلاحهم، وذهب اعبابو إليها وأحضر السلاح.

أي نوع من السلاح؟

أحضر «ميتريات» تشبه الكلاشنيكوف ومسدسا.

هل وزع السلاح عليكم؟

لا، أعطى «الميتريات» لعقا، وكل ذلك تم في رمشة عين، فأغلقوا الزنازن على الحارسين، وأعطى مسدس أحد الحراس لمزيرق وربما أعطى مسدسا آخر للمانوزي حيث كان يحمله عند هروبنا، فقال له اعبابو: احمل هذة المائدة، وطلب منه وضعها بجانب الحائط، وطلب مني احضار كرسي، فأتيت به، ووضعته فوقها، وبدأنا في تسلق الحائط.

ألم تحملوا معكم أية أغراض؟

لا، أبدا، لم تكن لدينا سوى ملابسنا، وحين نستبدلها يأخذها الحراس معهم .

وماذا عن الآخرين؟

لا، مزيرق كانت لدية حقيبة وعقا أيضا والمانوزي أيضا ولا أتذكر إن أخذها معه أم لا. بقيت أنا آخر من يقفز فوق الحائط رفقة «عقا». قلت له سأذهب لأطفئ الأضواء، فقبض علي بشدة، وأرغمني على القفز من على الحائط، وكنت حينها أريد الذهاب إلى الجهة الأخرى للمعتقل لأخبر الموجودين به بأنهم هربوا، وهربت معهم .

هل أخذوا معهم السلاح؟

بطبيعة الحال

ألم يكن الحراس في الخارج؟

أبدا، كان الثلاثة فقط، والإدارة لا تعمل دائما

وأين اتجهتم؟

اتجهنا نحو منطقة خلاء، وتوجهنا نحو اليمين في اتجاه سد عين عودة.

Bookmark and Share

Comments are closed.

صورة اليوم

ريشة العربي الصبان